يواجه الاتحاد الأوروبي ضغوطًا متزايدة بسبب تصاعد القوة الاقتصادية والصناعية للصين، وسط دعوات داخل دول التكتل إلى تعزيز الإجراءات الحمائية ودعم الصناعات الأوروبية في مواجهة المنافسة الصينية المتنامية.
لكن محللين يرون أن جزءًا كبيرًا من الأزمة الحالية يعود إلى إخفاقات أوروبية داخلية أكثر من كونه نتيجة مباشرة للمنافسة الصينية، محذرين من أن التوسع في السياسات الحمائية قد يضعف النظام التجاري العالمي القائم على القواعد.
في الأشهر الأخيرة، تبنى قادة أوروبيون خطابًا أكثر تشددًا تجاه بكين. ففي حزيران 2026، دعا حزب الشعب الأوروبي، إلى التخلي عن ما وصفه بـ"السذاجة" في التعامل مع الطموحات الاقتصادية الصينية، مطالبًا بتطوير أدوات الاتحاد لمواجهة تمدد الصين داخل الأسواق الأوروبية، بحسب "eastasiaforum"
ويركز القلق الأوروبي على ما يعتبره "فائضًا في الطاقة الإنتاجية" لدى الصناعة الصينية، خاصة مع توسع الشركات الصينية في إنتاج السلع الصناعية المتقدمة، بما فيها المعدات الرأسمالية والسيارات الكهربائية، وهي قطاعات كانت تمثل تقليديًا نقطة قوة للصناعة الألمانية.
وتخشى بروكسل من أن يؤدي هذا التحول إلى خسائر واسعة في الوظائف داخل أوروبا، على غرار ما شهدته الولايات المتحدة خلال ما عرف بـ"الصدمة الصينية"، في ظل الدعم الحكومي الكبير الذي تحصل عليه الشركات الصينية.
إخفاقات أوروبية قبل أن تكون أزمة صينية
في المقابل، يرى محللون أن تحميل الصين وحدها مسؤولية الأزمة الأوروبية يتجاهل أخطاء استراتيجية ارتكبتها الحكومات الأوروبية على مدار سنوات.
فشركات صناعة السيارات الألمانية، على سبيل المثال، أتيحت لها عقود للاستعداد للتحول نحو السيارات الكهربائية، لكنها تأخرت في الاستثمار والابتكار، بينما استثمرت الصين بكثافة في التقنيات الخضراء وبناء سلاسل إنتاج متكاملة.
كما أدى اعتماد أوروبا لسنوات على الغاز الروسي منخفض التكلفة إلى زيادة هشاشة اقتصادها، قبل أن تكشف الحرب الروسية الأوكرانية حجم هذا الاعتماد مع ارتفاع أسعار الطاقة بشكل كبير، وهو ما أضعف القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية.
ويرى التقرير أن هذه التطورات تمثل في جوهرها نتائج لسياسات أوروبية خاطئة، وليس من الواقعي مطالبة الصين بإبطاء نموها الاقتصادي لتعويض تلك الإخفاقات.
أوروبا تحت ضغوط متعددة
لا تقتصر التحديات التي تواجه الاتحاد الأوروبي على المنافسة الصينية، بل تأتي في وقت يواجه فيه أيضًا ضغوطًا من الولايات المتحدة وروسيا.
فالتعريفات الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى جانب الحرب الروسية في أوكرانيا، والتحديات الاقتصادية القادمة من الصين، كشفت جميعها حدود قدرة الاتحاد الأوروبي على التعامل مع عدة أزمات استراتيجية في وقت واحد.
ويزيد من تعقيد المشهد الأداء الاقتصادي الضعيف، إذ تشير التوقعات إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي 1.1% فقط خلال عام 2026، مقابل 0.9% في منطقة اليورو.
ويحذر محللون من أن أي تراجع إضافي في الاقتصاد قد يعزز صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة في فرنسا وألمانيا، بما يهدد مستقبل المشروع الأوروبي نفسه.
ويدافع بعض صناع القرار الأوروبيين عن الإجراءات الحمائية باعتبارها تدابير مؤقتة لحماية الصناعات المحلية من تدفق الواردات الصينية، وتشمل هذه الإجراءات متطلبات المحتوى المحلي وقواعد الشراء الواردة في قانون تسريع الصناعة الأوروبي.
لكن التقرير يحذر من أن السياسات الصناعية، بمجرد تطبيقها، يصعب التراجع عنها، مستشهدًا باستمرار الدعم الزراعي الأوروبي لعقود طويلة رغم الانتقادات المتكررة له.
ويرى معدو التقرير أن الاعتماد المتزايد على الحمائية قد يؤدي إلى ترسيخ سياسات الدعم الحكومي، ويضعف قواعد التجارة الحرة التي قام عليها النظام الاقتصادي العالمي.
هل يصلح النموذج الأسترالي لأوروبا؟
يشير بعض المسؤولين الأوروبيين إلى تجربة أستراليا، التي نجحت في إعادة بناء علاقاتها الاقتصادية مع الصين بعد سنوات من التوتر الدبلوماسي.
لكن التقرير يرى أن المقارنة ليست دقيقة، إذ حافظت كانبيرا حتى في ذروة الخلافات مع بكين على تجارة المعادن، التي تمثل الركيزة الأساسية للعلاقات الاقتصادية بين البلدين، كما فضلت اللجوء إلى المسارات القانونية والأسواق البديلة بدلًا من التصعيد التجاري.
أما أوروبا، فتواجه ضغوطًا سياسية داخلية تجعل من الصعب عليها اتباع النهج ذاته.
ويرى التقرير أن الاتحاد الأوروبي يمتلك خيارًا أكثر استدامة من التصعيد الحمائي، يتمثل في قيادة جهود إصلاح قواعد منظمة التجارة العالمية، خاصة تلك المتعلقة بالدعم الصناعي.
ويشير إلى أن بيان الاتحاد الأوروبي المقدم خلال المؤتمر الوزاري للمنظمة في ياوندي خلال مارس/آذار 2026 دعا بالفعل إلى تحديث قواعد التجارة العالمية بما يواكب الانتشار المتزايد للسياسات الصناعية في الاقتصادات الكبرى.
ويؤكد التقرير أن بروكسل تمتلك نفوذًا دبلوماسيًا يؤهلها للعب دور رئيس في إعادة بناء نظام تجاري متعدد الأطراف قائم على القواعد، بدلًا من الانزلاق نحو حروب تجارية متبادلة.
ورغم ذلك، يخلص التقرير إلى أن قدرة الاتحاد الأوروبي على الاضطلاع بهذا الدور لا تزال محدودة، في ظل تصاعد التوجهات الحمائية داخل القارة، وربط السياسات الصناعية بشكل متزايد بالاعتبارات الأمنية، إلى جانب الضغوط السياسية الداخلية التي تواجه الحكومات الأوروبية.
وبناءً على ذلك، يرى التقرير أن بروكسل ستواجه صعوبة في الانتقال من موقع الدفاع في مواجهة الصين إلى لعب دور قيادي في إعادة تشكيل النظام التجاري العالمي، ما لم تنجح أولًا في معالجة نقاط الضعف الهيكلية التي يعاني منها اقتصادها وقطاعاتها الصناعية.
الكلمات الدالة
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
19:18
وزارة الخارجيّة: ندين بأشدّ العبارات التهديدات التي أطلقتها جماعة الحوثيين ضدّ المملكة العربيّة السعوديّة بما في ذلك التهديد بفرض حظر على الملاحة البحريّة عبر مضيق باب المندب
-
19:10
وزارة المالية: توقيف افراد المجموعة جميعها المتورطة في عملية تهريب المخدرات من مرفأ بيروت الى احدى الدول الافريقية باشراف القضاء
-
18:42
التيار الوطني الحر في بيان: لقاء عون وترامب يجب أن يُترجم بانسحاب إسرائيلي كامل وحصر السلاح بيد الدولة ودعم الجيش
-
17:49
روسيا: قصفنا أهدافا في ميناءي أوديسا وتشورنومورسك في أوكرانيا
-
17:30
وزارة الصحة: الحصيلة التراكمية للعدوان حتى 22 تموز بلغت 4328 شهيدًا و12232 جريحًا
-
17:28
ارتفاع سعر الفضة في المعاملات الفورية بنحو 3% إلى 60.55 دولارا للأونصة
