اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

أثارت أزمة مضيق هرمز مخاوفَ بشأن مستقبل مبدأ حرية الملاحة في الممرات البحرية الدولية، وسط تصاعد المنافسة الإستراتيجية بين القوى الكبرى، وتراجع القواعد التي حكمت النظام العالمي لعقود، بحسب "فورين بوليسي".

وأعادت أزمة المضيق إلى الأذهان، حادثة العام 1803، عندما استُهدفت السفينة الحربية الأميركية "يو إس إس فيلادلفيا" قرب طرابلس الليبية أثناء مطاردتها لقراصنة؛ ما أدى إلى أسر 307 من أفراد طاقمها. ودفع ذلك الرئيس الأميركي، آنذاك، توماس جيفرسون إلى إرسال سفن حربية لتحرير الرهائن، في خطوة أسهمت في تعزيز تقليد أميركي طويل يتعلق بحماية حرية الملاحة، وإبقاء البحار مفتوحة أمام التجارة الدولية.

ويواجه هذا المبدأ اختبارًا جديدًا مع أزمة مضيق هرمز؛ إذ تسعى إيران، إلى تحويل السيطرة على الممر الحيوي إلى مصدر نفوذ اقتصادي وإستراتيجي، بينما أثار تفاهم أوَّلي بين واشنطن وطهران، وما تلاه من مقترح للرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن فرض رسوم على حركة الشحن عبر المضيق، تساؤلات حول مستقبل إدارة الممرات البحرية العالمية.

ولم تصادق أيٌّ من الولايات المتحدة وإيران على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تنص، في مادتها الـ38، على حرية عبور السفن التجارية في الممرات الدولية، فيما تلزم المادة الـ44 الدول المطلة على المضائق بعدم عرقلة أو تعليق حركة العبور.

غير أن هذا الغموض في صياغة مذكرة التفاهم بين الطرفين منح إيران اعتقادًا بإمكانية لعب دور رئيس في تحديد مستقبل إدارة المضيق والخدمات البحرية فيه؛ إذ نصَّت الوثيقة على التزام طهران بـ"بذل أفضل جهودها لضمان المرور الآمن للسفن التجارية دون رسوم لمدة 60 يومًا فقط"، قبل الدخول في حوار بشأن الإدارة المستقبلية للمضيق.

كما يعاني الموقف الأميركي بعض التناقضات؛ إذ أكد وزير الخارجية ماركو روبيو أن القانون الدولي لا يسمح لأي دولة بفرض رسوم على ممر مائي دولي، كما نفّذت البحرية الأمريكية عمليات لحماية حرية الملاحة، في حين أن ترامب سبق أن طرح أفكارًا بشأن فرض رسوم أو تقاسمها مع إيران.

وفي محاولة للخروج من الأزمة، طرحت سلطنة عمان، التي تؤدي دورًا وسيطًا وتملك مياهًا إقليمية في الجزء الجنوبي من المضيق، فكرة فرض رسوم طوعية على غرار ترتيبات موجودة في مضيق ملقا بين سنغافورة وإندونيسيا وماليزيا. إلَّا أن إيران رفضت هذا المقترح، مطالبة بأن تكون الرسوم إلزامية وتحت إشرافها.

وحذّر مراقبون من أن أي تغيير دائم في وضع مضيق هرمز قد يشكل سابقة لممرات استراتيجية أخرى، بما في ذلك احتمال ظهور مطالب مماثلة في مضيق ملقا أو باب المندب أو البوسفور، إضافة إلى تصاعد الخلافات حول بحر الصين الجنوبي.

ولا تقتصر المخاطر، على الممرات البحرية؛ إذ تمتد إلى الفضاء والقطب الشمالي، حيث تتنافس الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، على النفوذ والموارد. ولذلك فإن غياب قواعد واضحة لاستخدام الفضاء التجاري قد يفتح الباب أمام نزاعات مستقبلية، في وقت تتسارع فيه مشاريع الأقمار الاصطناعية، والتعدين الفضائي.

وتمثل أزمة هرمز إحدى مظاهر تراجع مفهوم "المشاعات العالمية"، مع تصاعد القومية والمنافسة الصفرية بين الدول، خاصة أن ضعف التعاون الدولي قد يزيد من تداعيات أزمات عالمية مقبلة، سواء في الصحة أو المناخ أو الأمن الدولي.


الكلمات الدالة