اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

ما اوجع الغياب الغدار، فجأة يسرق من هو ضاج في الحياة والحضور حتى أنك من فرط المحبة لم تحسب أبدا انه سيذوق هذه الكأس المرة - رغم وعينا لقدر الموت منذ جلجامش - ومع انه كان يردد "قديش بعد رح نبقى هون"!؟.

اكثر من ربع قرن من صداقة نسجت من رحم نضال وقضية، ومن رفقة يومية نحفر فيها الفرح رغم تحديات الايام الصعبة، لم نختلف يوما لا في تقييم موقف او شخص، ولا في كيفية النظرة إلى الاحداث، ولا في التفتيش عن حلول، حتى صرنا توأمين في الفكر كما في مقاهي بول الجميزة ستاربكس الزلقا كاسبر ضبية، كما في منير برمانا. عبد الله نموذج آخر للعقل الماروني، للالتزام التام والانفتاح والتلاقي، لوعي قوة الخارج وحدوده ايضا، لصلابة الوحدة في الداخل لانها متى تأمنت غلبت كل العراقيل، متواضع محب صريح مباشر دبلوماسي اقتصادي وقبل وبعد كل هذا انسان!

كان يمكن ان يكون وزير خارجية بشير او امين الجميل لكنه صار سفيرا للبنان والقضية في واشنطن ريغان، كان يجب ان يكون وزيرا في اول حكومات ميشال عون، حتى أتته في آخر حكومة للعهد السابق، لم يسع اليها ولا طلبها.


تعرف على العالم العربي وقياداته من ابوعمار إلى رؤساء وزعماء ابان عمله في البنك الدولي، حيث تشكل وعيه لتوازنات المنطقة، أدار مركز عصام فارس للدراسات واحة فكر وبحث وحوار ونشر شكل متنفسا رصينا لنخب وقيادات - اي نظام اي قانون انتخابات يؤمن المناصفة اي إصلاح؟ هل لبنان وطن مستحيل ؟

هو الكتائبي من العائلة، ابن الرابطة اللبنانية في الجامعة الاميركية، ثم دكتور اقتصاد من جامعات اميركا، إلى البنك الدولي، إلى مركز فارس،إلى نائب رئيس الرابطة المارونية، إلى الحلقة الفكرية او الفريق او مجموعة السبت او المشروع كما سماها سفير شرقي، المتكوكبة حول فكرة عودة المسيحيين إلى الدولة - بعد طول تهميش -، وعودة التوازن فيها، واستعادة القرار والحضور، والمتمركزة حول العماد ميشال عون الرمز الذي حاز على شبه اجماع اصوات المسيحيين انذاك.

كانت وحدة النظرة المسيحية هاجسنا - وجهدنا كثيرا -، ووحدة اللبنانيين هدفنا. مئات الاجتماعات والأفكار والمشاريع والمقابلات والمذكرات جعلت عبد الله في قلب صناعة القرار والرأي.

كان مارونيا بامتياز لبنانيا كامل الدسم، ميثاقيا - مع شكوك حول الصبغة -، روميا حتى العشق، اميركيا بالعقل- مشددا انها قامت على الحرية والهجرة - مشرقيا متفهما معاناة المكونات مشاركا معنا في كل نشاط!

عبد الله فهم الوزارة خدمة للناس وللوطن، نادرا ما كنت ترى وزيرا دون حراسة ولا مواكبة ولا امن، يقود سيارة هوندا موديل 2010 في زواريب بيروت او برمانا، بالجينز والقميص غير آبه لا بموضة ولا بماركات ولا بروتوكولات، سافر اكثر من سبعين مرة وزيرا ولعب ادوارا سرية بين واشنطن وطهران - كنت احثه على كتابة هذا الفصل - واعاد تنظيم الوزارة رغم الفراغ الرئاسي وغياب الإمكانيات.

احلى الصداقات هذه المتأرجحة بين فارنينتي والتفكير خارج الصندوق - ماذا يمكن ان نفعل بعد - والمجبولة بهاجس السياسة والنضال والتحالف وما يبقى بعد اي منصب او موقع،عملنا معا، تسامرنا معا، مع ضمة اصدقاء كانوا ثروته من خلية السبت -مع سليم جريصاتي وجبران باسيل وكريم بقرادوني، من سينشر دورها وحواراتها الحقيقية-، وضمة الأربعة بشكل خاص، دولتو ايلي الفرزلي جان عزيز عبد الله وانا، من صباحات الاحد في ضبية مع جورج غانم السفير انطونيو عنداري هادي راشد سيمون ابو فاضل، إلى عشاءات الاحد في كل مكان مع د ايلي مخايل فرنسوا حنوش،ربيع هبر، ادمون شماس، الى يوميات الغداء مع مروان ابو فاضل وفادي حافظ ثمً السفير وليد حيدر - رمز الوفاء -، إلى سرقة كل ساعة لنتبادل معلومات ونتفق على رأي وموقف،لا غرته الدنيا، ولا أفسدته السياسة، ولا ادعى بطولات، ولا قيادة، ولا نبوة، ولا طمح لجماهير، ولا جن لكرسي - كما قال ميشال اده عن المس الذي يصيب الموارنة مرة كل ست سنوات - لم يعرف الحقد يوما حتى للذين هاجموه، لانه طيب، وزادته زوجته جولي - التي وعدها في عشائه الاول معها طلابا في الجامعة انه سيكون رئيسا للبنان - رقة وحنانا بهدوئها وتفهمها ووقوفها معه في كل الظروف، كما راحته واطمئنانه لمسار اولاده.

كان يردد جوابا على من يسأله لماذا عدت إلى بيروت قائلا : الطقس والطبيعة أروع، الأكل افضل - وكان لمنقوشة صباحيةً من فرن رومية طعم الوطن- ثم الأصدقاء الذين تراهم حولك دائما.

قبل يوم من وفاته كنا معا نقدم واجب العزاء بغياب قريب لزوجة رئيس سابق، كانت القاعة شبه خالية، قال لي «عجيب امر اللبنانيين لو توفي ابان العهد السابق لما أمكننا ان نصل من عجقة التافهين».

كأن قطعة مني قد هوت. صامتا، يوما بعد يوم ادركت ان جزءا مني سبقني، وان الأقدار بكرت - كان بعد ينتظرنا فرح اكثر وحوارات نسيت ان أجريها واسرار علقت في بالي - عبد الله لقد أنعم الله علي بأصدقاء ذخيرة عمر لكني اشكر العناية اني اقدر ان أضعك على رأس اللائحة.

سنبقى نحبك ونشتاق لتراب رومية كرمى لك.

لقد نقشوا على «الماين غايت» في الجامعة الاميركية في شارع بلس آية «لتكون لهم حياة وتكون حياة افضل»، لكن نحن أصدقاؤك نعترف لن تكون لنا حياة افضل دونك!

اقول هذا وفي قلبي غصة سأحملها معي نادما على كل ما لم نتقاسمه معا.

كلمة حبيب افرام رئيس الرابطة السريانية في الذكرى السنوية لغياب الوزير عبد الله بو حبيب في فندق <لو كبريال> الأشرفية في 29 تموز 2026 


الأكثر قراءة

السعودية تنتقل من النأي بالنفس الى المواجهة بري مغادرا بعبدا: منيحة وما حدن يسألني اكتر