أكد الكاتب البريطاني جوناثان ليو أن أزمة تدفق المهاجرين إلى مدينة سبتة (الواقعة تحت السيطرة الإسبانبة) لم تكن مجرد حادثة حدودية، بل تحولت إلى مادة دعائية استغلها اليمين المتطرف في أوروبا والولايات المتحدة لتغذية خطاب الخوف من المهاجرين. ويجادل الكاتب بأن اليسار أخفق في تقديم رواية بديلة، فترك المجال لليمين كي يحدد طريقة فهم الرأي العام لأزمة الهجرة.
وقال الكاتب في مقال نشرته صحيفة الغارديان، أن البث المباشر مستمر، والكاميرات ما زالت مصوبة نحو شاطئ سبتة، رغم أن شيئا لا يحدث هناك. وما زال من يطلقون على أنفسهم اسم “الصحافيين المواطنين” يجوبون الشوارع بهواتفهم المحمولة بحثا عن صور جديدة.
وكان ضياء يوسف، متحدث الشؤون الداخلية لحزب الإصلاح البريطاني "ريفورم يو كي" اليميني المتطرف، من بين الذين سارعوا إلى المكان، مرتديا قميصا أبيض أنيقا وسروالا مفصلا بعناية، وكأنه يريد أن يثبت أنه يختلف عن بقية أصحاب البشرة السمراء مثله الموجودين هناك… أولئك "السمر السيئون"، بحسب الصورة التي يسعى الخطاب اليميني إلى ترسيخها.
لكن السؤال الأهم هو: لماذا تحولت الأحداث التي شهدتها سبتة، الواقعة على الحدود بين إسبانيا والمغرب، إلى قضية عالمية؟
كيف نجحت في جذب اهتمام الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورجل الأعمال إيلون ماسك؟ ولماذا خصصت لها شبكة "إن بي سي" الأميركية تغطية واسعة، رغم أنها لا تهتم عادة بأحداث تقع في شمال أفريقيا؟ ولماذا تصدرت الصفحات الأولى لصحف بريطانية محافظة مثل "ديلي ميل" و"ديلي إكسبرس" و"ديلي تلغراف"؟
الإجابة، كما يرى الكاتب، لا تكمن في وجود تهديد حقيقي للحدود الأوروبية أو الأميركية.
فمدينتا سبتة ومليلية تتمتعان بوضع قانوني خاص خارج نظام شنغن، الأمر الذي يجعل انتقال المهاجرين غير النظاميين إلى البر الإسباني شبه مستحيل. ولم يكن يفصلهم عن إسبانيا سوى نحو عشرين كيلومترا عبر البحر المتوسط، لكنهم لم يستطيعوا الوصول إليها.
ولهذا، فإن معظم الذين دخلوا سبتة عادوا إلى المغرب بمجرد إدراكهم أن وجودهم هناك لن يفتح الطريق إلى أوروبا. كما أن الاهتمام العالمي لم يكن مدفوعا باعتبارات إنسانية. فالذين غرقوا في البحر أو لقوا مصرعهم خلال التدافع لم يكونوا محور التغطية الإعلامية.
ويستشهد الكاتب بعنوان فرعي نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" جاء فيه أن نحو 48 ألفا من أصل ستين ألف مهاجر عادوا إلى المغرب خلال يوم واحد، لكن التدفق المفاجئ سبب أزمة لحكومة إسبانيا المؤيدة للهجرة، بينما قتل 34.
ويرى الكاتب أن ترتيب هذه الجملة يكشف منطق الخطاب اليميني نفسه: أولا الحديث عن سلامة الحدود، ثم التداعيات السياسية، وأخيرا الإشارة إلى الضحايا.
أما البشر الذين فقدوا حياتهم، فيأتون في المرتبة الأخيرة.
والأسوأ أن عدد القتلى ارتفع لاحقا إلى ما بين 72 و88 شخصا، بحسب اختلاف الروايات الرسمية، من دون أن يثير ذلك اهتماما يوازي حجم المأساة.
ويعتقد الكاتب أن سبتة تحولت بالنسبة لليمين المتطرف العالمي إلى ما يشبه "المسرح الحدودي"، حيث تعرض صور الهجرة الجماعية بوصفها مشهدا دراميا يخدم رواية سياسية جاهزة.
وكان المؤرخ الأميركي مايك ديفيس قد وصف الجدار الحدودي بين الولايات المتحدة والمكسيك بأنه "مسرح سياسي"، لكن سبتة، في عصر الذكاء الاصطناعي والتزييف الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، تحولت إلى شيء أكبر: منصة لإنتاج محتوى بصري يغذي الخوف من المهاجرين ويعيد إنتاجه بصورة يومية.
والمفارقة، كما يلفت الكاتب، أن سبتة كانت، من الناحية الأمنية، تؤدي الدور الذي صممت من أجله.
فالمدينة محاطة بسياج معدني يبلغ ارتفاعه ستة أمتار، تعلوه أسلاك شائكة، وتراقبه أبراج وكاميرات حديثة، كما تخضع حركة العبور منها إلى إسبانيا لرقابة صارمة.
وأنفق الاتحاد الأوروبي مئات ملايين اليوروهات على التعاون مع المغرب لتعزيز إدارة الحدود.
ومع ذلك، لم يمنع كل ذلك الزعماء الأوروبيين من توجيه الانتقادات إلى حكومة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز.
فأعادت إيطاليا فرض رقابة على الحدود البحرية والجوية مع إسبانيا، بينما أرسل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وحدات أمنية لتعزيز الرقابة على الحدود، وطالبت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، مدعومة من فنلندا والدنمارك والتشيك، بتعليق عضوية إسبانيا في منطقة شنغن.
ويرى الكاتب أن هذه المواقف لا تعكس بالضرورة قناعة حقيقية بخطورة ما حدث، بقدر ما تعكس حسابات انتخابية داخلية، إذ تواجه حكومات أوروبية عدة منافسة متصاعدة من أحزاب اليمين القومي، وتسعى إلى إثبات تشددها في ملف الهجرة قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
لكن، في جوهر الأمر، لا يتعلق مشهد سبتة بالسياسة الانتخابية وحدها، بل يلبي، بحسب الكاتب، حاجة أعمق لدى اليمين المتطرف، ولا سيما في العالم الناطق بالإنكليزية، إلى تحويل الهجرة إلى عرض بصري دائم، لا يكتفي بالحديث عنها، بل يجعلها مشهدا يوميا يثير الخوف والغضب.
فالصور ومقاطع الفيديو التي خرجت من سبتة خلال الأيام الماضية، التقط معظمها من مسافات بعيدة، ونادرا ما أظهرت وجوه المهاجرين أو تفاصيلهم الفردية. وكان الهدف واضحا: تقديم عشرات الآلاف من البشر بوصفهم كتلة واحدة متجانسة، لا أفرادا لكل منهم قصة مختلفة.
وبهذه الطريقة، يختفي الطبيب والمهندس والعامل والطالب وسط صورة جماعية واحدة، ويصبح الجميع، في المخيلة التي يصنعها الخطاب اليميني، مجرد "مهاجرين". فلا يعود هناك فرق بين من يبحث عن فرصة حياة، ومن يرتكب جريمة، ولا بين الضحية والجلاد، أو حتى بين الأحياء والأموات.
ويرى الكاتب أن هذا الأسلوب يسهم، تدريجيا، في محو الحدود الفاصلة بين القومية المتشددة وبين التفوق العرقي الأبيض. فحين ينظر إلى كل أصحاب البشرة السمراء باعتبارهم كتلة تهدد "أوروبا البيضاء"، يصبح الحديث عن حماية الحدود غطاء لخطاب يقوم في جوهره على التمييز العرقي والثقافي.
ومن هذا المنطلق، يصبح من السهل إقناع الرأي العام بأن حادثا يقع على بعد أكثر من ألف ميل وعبر بحرين مختلفين يمثل خطرا مباشرا على بريطانيا أو غيرها من الدول الأوروبية، رغم أن الواقع لا يدعم مثل هذا الاستنتاج.
فالحدود، في هذه الرواية، لا تفصل بين دول، بل بين عالمين متخيلين: أوروبا المسيحية البيضاء من جهة، والآخر البني القادم من الجنوب من جهة أخرى.
لكن الكاتب لا يعفي اليسار من المسؤولية.
فقد لاحظ، كما يقول، أن كثيرا من القوى اليسارية استقبلت عودة معظم المهاجرين إلى المغرب بشيء من الارتياح، وهو ما يعكس، في نظره، قبولا ضمنيا بالفكرة التي يروج لها اليمين، ومفادها أن الهجرة تمثل مشكلة بحد ذاتها.
ويطرح الكاتب سؤالا مختلفا: ماذا لو لم تكن الهجرة مشكلة أصلا، إلا بالنسبة إلى من يريد أن يجعلها كذلك؟
وماذا لو نظرنا إلى انتقال البشر عبر الحدود بوصفه ظاهرة طبيعية صاحبت التاريخ الإنساني دائما، بدلا من اعتباره تهديدا وجوديا؟
ويستعيد الكاتب هنا ما كتبه الصحافي البريطاني غاري يونغ في صحيفة "الغارديان" قبل نحو عقد، حين دعا إلى عالم أكثر انفتاحا وحدود أقل صرامة، متسائلا: أين اختفت تلك الرؤية الإنسانية؟ ومتى تحول النقاش حول الحدود وحرية التنقل إلى موضوع يثير الخوف بدلا من أن يكون مناسبة للتفكير في مستقبل أكثر عدالة؟
ويؤكد الكاتب أن الجدل حول ما إذا كانت أحداث سبتة نتيجة خلل أمني، أم عملية مدبرة، ليس هو القضية الأساسية.
فالأخطر، في رأيه، هو أن اليمين العالمي، كلما ازدادت ثقته بنفسه، سيواصل البحث عن أزمات مشابهة يستثمرها سياسيا وإعلاميا.
كما أن صناعة المحتوى القائمة على التخويف من الهجرة ستظل تبحث عن صور جديدة، ومشاهد أكثر إثارة، لتحافظ على اهتمام الجمهور.
ولهذا، يتوقع الكاتب أن تتكرر "سبتة" مرات أخرى، في أماكن مختلفة من العالم.
وسيواصل الناس الهجرة، وسيستمر بعضهم في الموت أثناء محاولتهم الوصول إلى حياة أفضل، بينما تتحول مأساتهم إلى مادة إعلامية تجذب المشاهدين وتزيد نسب المتابعة.
ويستشهد الكاتب بما كتبته عالمة الاجتماع ميمي شيلر في كتابها "عدالة التنقل"، حين قالت إن المناطق الحدودية باتت "مغموسة بدماء القومية البيضاء، والتنميط العرقي، والموت المفروض على البشر في الأراضي الفاصلة بين الدول".
ويرى الكاتب أن الخطر الحقيقي لا يتمثل في شعار "أوقفوا القوارب"، الذي ترفعه بعض الحكومات، بل في الانتقال إلى مرحلة أكثر تطرفا، يصبح فيها الشعار الضمني: "أطلقوا النار على القوارب".
ففي هذه المرحلة، تتحول الحدود إلى ما يشبه ساحات القتال في ألعاب الفيديو، ويتراجع التعاطف مع البشر لصالح لغة القوة والعنف.
ويحذر الكاتب من أن بعض الشخصيات المؤثرة، مثل إيلون ماسك، ومعها تيارات اليمين المتطرف، بدأت بالفعل ترسم صورة خيالية لعالم تغزوه جيوش من "الرجال في سن القتال" الغرب، بحيث لا يعود السؤال عن الأسباب التي دفعتهم إلى مغادرة أوطانهم، من حروب أو فقر أو تغير مناخي، بل يصبح اللوم موجها إلى كل من يتعاطف معهم.
وفي هذه الرواية، لا يعود المهاجر إنسانا يتمتع بالحقوق نفسها، بل يتحول إلى تهديد ينبغي التخلص منه، بينما يصبح التعاطف معه نوعا من "الانتحار الحضاري" بحسب التعبير الذي يستخدمه المتطرفون.
ويختتم الكاتب مقاله بالقول إن الرهان في هذا النقاش يتجاوز الهجرة نفسها، لأنه يتعلق بنوع المجتمع الذي تريد أوروبا والعالم بناءه.
فإذا استمر اليسار في الاكتفاء بردود فعل دفاعية، أو في الشعور بالارتياح كلما عاد المهاجرون من حيث أتوا، فإنه يترك الساحة كاملة لليمين كي يحتكر تفسير الظاهرة وصياغة الرأي العام حولها.
ولهذا، فإن التحدي الحقيقي أمام القوى التقدمية لا يكمن في الاحتفال بانتهاء أزمة سبتة، بل في امتلاك خطاب جديد يعيد تعريف الهجرة باعتبارها جزءا من التجربة الإنسانية، لا تهديدا وجوديا، قبل أن تتكرر “سبتة” في مكان آخر، وتفرض الرواية نفسها مرة أخرى.
الكلمات الدالة
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
17:16
وزير الصناعة جو عيسى الخوري: الاتجاه القضائي الذي نسير به صحيح ولكن ليس بالسرعة المطلوبة ومن يحمي حزب الله هي إيران فقط
-
17:14
النائب غسان حاصباني: يجب أن نحقق العدالة وأتمنى أن تكون قريبة والقضاء تحرّر من القيود التي كانت مفروضة عليه وسنلجأ الى المحاكمات الدولية إذا فشل المسار القضائي في لبنان
-
17:12
روبيو: هناك مفاوضات بين عمان وإيران بشأن كيفية تمكين المزيد من السفن من عبور مضيق هرمز
-
17:09
النائب مروان حمادة: آمل آلا نتأخر في إصدار القرار الاتهامي في ظلّ وجود الرئيسن عون وسلام وأن تعود العدالة إلى لبنان
-
17:09
وزير المهجّرين ووزير الدولة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي كمال شحادة: نأمل أن يكون هذا آخر تجمّع لإحياء ذكرى انفجار المرفأ وأن يصدر القرار خلال الأسابيع المقبلة وعلينا حماية القضاء من التدخل السياسي
-
17:08
النائب وضّاح الصادق: قبل سنة ونصف السنة لم نكن نتأمل أن يصدر القرار والعهد الجديد بوجود القاضي محمد صعب سيصدر القرار ولدينا الثقة برئيسي الجمهورية والحكومة
