اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

تفرض الهجمات الصاروخية الروسية المتواصلة على المدن الأوكرانية تحدياً متزايداً أمام حلف شمال الأطلسي "الناتو"، وسط مخاوف من أن تكشف الحرب في أوكرانيا عن فجوة خطيرة في قدرات الدفاع الجوي الأوروبية، خصوصاً في مواجهة الصواريخ الباليستية بعيدة المدى.

ويرى خبراء عسكريون أن الاعتماد على أنظمة الاعتراض الدفاعية وحدها لم يعد كافياً، في ظل محدودية مخزون الصواريخ الاعتراضية وارتفاع وتيرة الهجمات الروسية، ما يدفع إلى نقاش أكثر حساسية حول إمكانية الانتقال من سياسة "إسقاط الصواريخ" إلى استهداف مصادر إطلاقها داخل أراضي الخصم، بحسب "فورين بوليسي".


نقص صواريخ الاعتراض يضع أوكرانيا أمام معضلة

تراجعت الولايات المتحدة عن مؤشرات سابقة بشأن منح أوكرانيا ترخيصاً لإنتاج صواريخ "باتريوت" الاعتراضية محلياً، كما لم توافق واشنطن على طلب كييف الحصول على 300 صاروخ إضافي لتعزيز دفاعاتها الجوية.

لكن المشكلة الأساسية، بحسب خبراء الدفاع، لا تتعلق فقط بالإنتاج، بل بمحدودية القدرة العالمية على توفير كميات كافية من الصواريخ الاعتراضية لمواجهة حملة صاروخية روسية واسعة.

وتنتج الولايات المتحدة حالياً أكثر قليلاً من 600 صاروخ اعتراض من طراز "PAC-3" سنوياً، مع خطط لزيادة الإنتاج خلال السنوات المقبلة، إلا أن أوكرانيا قد تستهلك ما بين 150 و180 صاروخاً خلال شهر واحد فقط من الهجمات الروسية المكثفة.

وبالتالي، ستظل دفاعات أوكرانيا الجوية في المستقبل القريب تعتمد على سحب الصواريخ من مخزونات الحلفاء، إلى جانب تطوير مشاريع أوروبية وأوكرانية بديلة لأنظمة "باتريوت".


من اعتراض الصواريخ إلى ضرب منصات الإطلاق

يرى محللون أن الأزمة الأوكرانية يجب أن تدفع الولايات المتحدة والدول الأوروبية إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الدفاعية، ليس فقط عبر زيادة إنتاج الصواريخ الاعتراضية، وإنما عبر دراسة خيار أكثر إثارة للجدل يعرف عسكرياً باسم "استهداف الرامي".

ويعتمد هذا المفهوم على ضرب منصات إطلاق الصواريخ ومراكز القيادة ومصانع إنتاجها قبل استخدامها، بدلاً من انتظار وصول الصواريخ لاعتراضها في الجو.

لكن هذا الخيار يحمل مخاطر كبيرة، خصوصاً عند التعامل مع روسيا، القوة النووية الكبرى، إذ قد تعتبر موسكو استهداف منشآتها العسكرية العميقة تهديداً مباشراً لأمنها الاستراتيجي، ما قد يزيد احتمالات التصعيد.


أوكرانيا توسع ضرباتها داخل روسيا

بمساعدة استخباراتية أميركية وأوروبية، استخدمت أوكرانيا طائرات مسيرة بعيدة المدى وصواريخ لضرب منشآت الطاقة والمصانع العسكرية الروسية.

وشملت الأهداف مصافي النفط ومستودعات الوقود والبنية التحتية للموانئ ومصانع الصناعات الدفاعية.

ومن أبرز هذه العمليات استهداف مصنع "تيتان-باريكادي" في فولغوغراد ومصنع "VNIIR-Progress" في تشيبوكساري، وهما منشأتان تنتجان مكونات تستخدم في أنظمة الصواريخ الروسية.

وتقول كييف إن الهدف من هذه الهجمات هو تقليص قدرة روسيا على إنتاج الصواريخ وإضعاف قدرتها على مواصلة الحرب.

يشير مؤيدو استراتيجية "استهداف الرامي" إلى العمليات الأميركية والإسرائيلية ضد إيران باعتبارها نموذجاً على فعالية ضرب القدرات الصاروخية من مصدرها.

فقد أدت الضربات ضد منصات الإطلاق ومراكز القيادة الإيرانية إلى تقليص قدرة طهران على تنفيذ موجات صاروخية واسعة، رغم أنها لم تقضِ عليها بالكامل.

ويرى هؤلاء أن تعطيل منظومة الصواريخ الإيرانية ساعد في تخفيف الضغط على الدفاعات الإسرائيلية، خاصة مع تراجع مخزون الصواريخ الاعتراضية لدى بعض الدول.


معضلة الناتو

يبقى السؤال الأكبر أمام الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين: هل سيكونون مستعدين لاستخدام هذا النهج في مواجهة دولة نووية مثل روسيا؟

ويخشى عدد من المسؤولين الأوروبيين أن تؤدي الضربات العميقة داخل الأراضي الروسية إلى تصعيد خطير، خاصة مع احتمال استخدام موسكو التهديد النووي كورقة ضغط.

لكن في المقابل، يرى خبراء عسكريون أن عقيدة الناتو الحديثة تقوم نظرياً على تنفيذ ضربات بعيدة المدى ضد الدفاعات الجوية ومراكز القيادة والبنية التحتية العسكرية الحيوية في حال اندلاع حرب واسعة.

ويؤكد هؤلاء أن حروب القوى الكبرى مستقبلاً ستعتمد بشكل متزايد على الضربات الدقيقة والعميقة، في وقت تعمل فيه روسيا أيضاً على استهداف القاعدة الصناعية الدفاعية لحلف الناتو وسلاسل الإمداد والبنية التحتية الحيوية.


جدية الردع الأوروبي

تزداد أهمية هذا الجدل مع خطط ألمانيا لشراء صواريخ "توماهوك" بعيدة المدى من الولايات المتحدة، إذ يرى خبراء أن قيمة هذه الأسلحة الردعية ستكون محدودة إذا اعتقدت روسيا أن برلين لن تستخدمها خوفاً من التصعيد.

ويحذر محللون من أن موسكو قد تستغل التردد الأوروبي عبر دمج قدراتها النووية والتقليدية بطريقة تجعل أي استهداف عسكري محفوفاً بمخاطر أكبر.

كما يشيرون إلى أن مخاوف التصعيد النووي سبق أن أخرت قرارات غربية عدة بشأن تسليح أوكرانيا، مثل تزويدها بصواريخ "هيمارس" و"أتاكمس"، قبل أن يتم تجاوز بعض هذه الخطوط الحمراء لاحقاً دون وقوع التصعيد المتوقع.

يرى خبراء الدفاع أن استمرار التردد الغربي قد يرسل رسالة ضعف إلى موسكو، ويشجعها على مواصلة الهجمات المكثفة ضد المدن الأوكرانية وربما الأوروبية مستقبلاً.

ويطالبون القادة السياسيين في الناتو بإجراء نقاش صريح حول حدود استخدام القوة، وما يمكن أن يكونوا مستعدين لفعله في حال اندلاع مواجهة مباشرة مع روسيا.

ويخلص التحليل إلى أن الردع لا يعتمد فقط على القدرة على الدفاع ضد الهجمات، بل أيضاً على إظهار القدرة والاستعداد لضرب مصادر التهديد نفسها.

وفي ظل استمرار القصف الروسي على كييف والمدن الأوكرانية، باتت أزمة الدفاع الجوي اختباراً حقيقياً لمدى استعداد أوروبا لتحمل مخاطر المواجهة من أجل تعزيز أمنها.