اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

بدأ مشروع روسيا لإنشاء شبكة إنترنت فضائية منافسة لخدمة "ستارلينك" يتحول من فكرة إلى واقع، في خطوة تهدف إلى تعزيز قدرات الجيش الروسي في ساحة المعركة وتقليص التفوق الذي منحته خدمة "ستارلينك" للقوات الأوكرانية منذ بداية الحرب. لكن خبراء يرون أن المشروع لا يزال يواجه عقبة استراتيجية قد تحد من فعاليته، تتمثل في ضعف حماية محطاته الأرضية داخل الأراضي الروسية.

وأطلقت شركة "المكتب 1440" الروسية، المطورة لمشروع "راسفيت" (الفجر)، أول دفعة تضم 16 قمراً صناعياً عاملاً إلى المدار في مارس 2026، ثم تبعتها دفعة ثانية في يوليو. وتشير تقارير إلى أن الشركة تستهدف نشر مئات الأقمار الصناعية بحلول العام المقبل، في إطار بناء كوكبة فضائية توفر خدمات الإنترنت عبر المدار الأرضي المنخفض.

ورغم أن المشروع يُسوّق رسمياً للاستخدامات المدنية، فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ربطه بشكل مباشر بالعمليات العسكرية في أوكرانيا. وخلال اجتماع مع جنود في الكرملين في حزيران الماضي، أكد أن العمل على نظام روسي مماثل لـ"ستارلينك" يسير بوتيرة جيدة، معرباً عن أمله في أن يصبح متاحاً للقوات الروسية قريباً.


سباق عالمي نحو الإنترنت الفضائي

ولا تقتصر المنافسة على روسيا، إذ تعمل الصين والاتحاد الأوروبي ودول أخرى على تطوير شبكات إنترنت فضائية خاصة بها، في ظل إدراك متزايد لأهمية الاتصالات عبر الأقمار الصناعية في الحروب الحديثة.

ويقول مهندس أنظمة الفضاء والجندي البريطاني السابق إيان مويرهيد، إن الحرب في أوكرانيا أثبتت أن الجيوش الحديثة تحتاج إلى اتصالات عالية السعة لنقل البيانات بشكل مستمر، وهو ما يجعل شبكات الأقمار الصناعية في المدار الأرضي المنخفض الخيار الأكثر فاعلية في مناطق النزاع.

وتختلف هذه الأنظمة عن الأقمار الصناعية التقليدية التي كانت تدور على ارتفاعات تصل إلى عشرات آلاف الكيلومترات، حيث تعتمد شبكات مثل "ستارلينك" على آلاف الأقمار الصناعية التي تدور على ارتفاعات منخفضة، ما يقلل زمن الاستجابة ويزيد سرعة نقل البيانات، لكنه يتطلب وجود أعداد كبيرة من الأقمار لضمان التغطية المستمرة.

ورغم التقدم الروسي، يرى مويرهيد أن شبكة "راسفيت" لن تضاهي "ستارلينك" في المستقبل القريب، إذ تضم الشبكة الأميركية حالياً أكثر من 10 آلاف قمر صناعي وتخدم ملايين المستخدمين حول العالم.

ومع ذلك، يؤكد أن أي شبكة روسية عاملة في المدار الأرضي المنخفض ستمثل نقلة كبيرة في قدرات القوات الروسية على الاتصال والقيادة والسيطرة، مقارنة بالإمكانات الحالية.


نقطة الضعف

لكن الخبراء يرون أن التحدي الأكبر أمام المشروع الروسي لا يتعلق بالأقمار الصناعية نفسها، بل بالمحطات الأرضية التي تربط الشبكة الفضائية بالإنترنت.

وتتكون هذه المحطات من أطباق كبيرة متصلة بشبكات الإنترنت الأرضية، وتنقل البيانات إلى الأقمار الصناعية ومنها إلى المستخدمين. وبسبب حجمها الكبير والانبعاثات الكهرومغناطيسية التي تصدر عنها، يصعب إخفاؤها أو نقلها، ما يجعلها أهدافاً عسكرية محتملة.

وتستفيد أوكرانيا من ميزة استراتيجية في هذا المجال، إذ تعتمد خدمة "ستارلينك" المستخدمة على أراضيها على محطات أرضية تقع في بولندا وليتوانيا وتركيا، وهي جميعها دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو).

ويعني ذلك أن استهداف روسيا لهذه المحطات قد يعرّضها لمواجهة مباشرة مع دول الحلف، وهو ما يشكل عامل ردع قوياً.

في المقابل، من المرجح أن تعتمد شبكة "راسفيت" على محطات أرضية داخل الأراضي الروسية، ما يجعلها عرضة لهجمات أوكرانية باستخدام الطائرات المسيّرة بعيدة المدى، خاصة بعدما أثبتت كييف قدرتها على تنفيذ ضربات في عمق الأراضي الروسية خلال الأشهر الأخيرة.

ويقول مويرهيد، إن روسيا لا تستطيع استهداف محطات "ستارلينك" الأرضية الموجودة في دول الناتو، بينما تستطيع أوكرانيا مهاجمة المحطات الروسية حتى لو كانت تقع في مناطق بعيدة مثل سيبيريا.


قدرات محدودة

من جانبها، تؤكد الاستخبارات العسكرية الأوكرانية أن روسيا بدأت بالفعل في استخدام الشبكة الجديدة بصورة محدودة.

وقال نائب رئيس الاستخبارات الدفاعية الأوكرانية فاديم سكيبتسكي، إن الأقمار الصناعية التي وضعتها روسيا في المدار تسمح للقوات الروسية باستخدام الشبكة لفترات قصيرة عندما تمر الأقمار فوق الأراضي الأوكرانية، مضيفاً أن كييف تبحث بالفعل وسائل التعامل مع هذا التطور.

لكن إلى جانب التهديدات العسكرية، تواجه موسكو تحدياً آخر يتمثل في محدودية قدراتها على إطلاق الأقمار الصناعية بوتيرة سريعة.

وترى فيكتوريا سامسون، مديرة الأمن والاستقرار الفضائي في مؤسسة "العالم الآمن"، أن روسيا لا تمتلك حالياً القدرة الصناعية والإطلاقية التي تمكنها من بناء كوكبة ضخمة خلال فترة قصيرة، وهو ما سيجعل مشروع "راسفيت" أقل سرعة وكفاءة مقارنة بـ"ستارلينك"، وكذلك بالمشروعات الصينية التي يجري تطويرها حالياً.

ورغم هذه القيود، يعكس المشروع الروسي اتجاهاً عالمياً متسارعاً نحو عسكرة الفضاء والاعتماد على شبكات الإنترنت الفضائية في العمليات العسكرية، بعدما أثبتت الحرب في أوكرانيا أن السيطرة على الاتصالات أصبحت عنصراً لا يقل أهمية عن السيطرة على البر أو البحر أو الجو. 

ومع استمرار موسكو في توسيع كوكبة "راسفيت"، ستظل قدرة الشبكة على الصمود أمام الهجمات واستمرار عمليات الإطلاق العامل الحاسم في تحديد مدى نجاح "ستارلينك الروسي" في تقليص الفجوة مع نظيره الأميركي.


الأكثر قراءة

جلسة تشريعية ساخنة وخلافات بالجملة عون يحسمها: خيارنا التفاوض... هل تكسر زيارة كليرفيلد المراوحة؟