
تخطت المشكلة في الجنوب مسألة إيجاد طاولة للتفاوض، أو ابتكار آليات جديدة أو تبادل الرسائل بين بيروت وواشنطن و«تل أبيب». كل ذلك بات موجودًا. المشكلة اليوم أبسط في شكلها وأصعب في حلها: من سيخطو الخطوة الأولى؟
عند تلة علي الطاهر تحديدًا، يتوقف الكثير من الكلام الديبلوماسي، ويبدأ الامتحان الحقيقي. لبنان يقول إن الجيش جاهز لتثبيت حضوره حيث تنسحب «إسرائيل»، فيما تريد واشنطن دفع «المناطق التجريبية» وآليات التحقق إلى الأمام. وبين الموقفين، لم تقدّم «إسرائيل» حتى الآن ما يكفي للإجابة عن السؤال، الذي بات يحكم الاتصالات كلها: هل ستنسحب فعلًا مقابل تقدم الدولة والجيش، أم تريد أن تفرض شروطها على لبنان، على أن يبقى الانسحاب ورقة مؤجلة؟
لهذا، أصبحت «علي الطاهر» اختبارًا لمصداقية المسار كله، وربما للنموذج الذي سيُبنى عليه ما سيأتي بعدها. فإذا نجحت المعادلة هناك - انسحاب إسرائيلي، انتشار للجيش، عودة للأهالي وبدء تثبيت الاستقرار ـ عندئذ يمكن فتح الباب أمام خطوات مماثلة في مناطق أخرى. أما إذا تعثرت، فسيكون السؤال أكبر بكثير من مصير موقع عسكري: هل تستطيع واشنطن إلزام «إسرائيل» بما تطلب من لبنان الالتزام به؟
وفي خضم هذا المأزق، فجّر المبعوث الأميركي توم براك مفاجأة سياسية لافتة، عندما وضع إصبعه على عقدة من يملك فعليا قرار التسوية في لبنان، معتبرا أن طاولة التفاوض اللبنانية ـ «الإسرائيلية» تفتقد أطرافًا قادرين على اتخاذ القرار، ومشيرا إلى إيران وحزب الله في هذا السياق.
وفيما تُختبر المقاربة الأميركية على الأرض، اختار رئيس الجمهورية جوزاف عون أن يوسّع دائرة الحركة خارجها، حيث اختتم جولاته من روما إلى الفاتيكان، وحمل ملف الجنوب معه، لكن هذه المرة بعين على الحاضر وعين على ما سيأتي بعد «اليونيفيل»: كيف يُنتزع الانسحاب الإسرائيلي؟ وكيف يُمنع الجنوب من الوقوع في فراغ دولي، إذا انتهت المهمة الحالية للقوات الدولية من دون صيغة بديلة؟
وبذلك، تتحرك بيروت على مسارين متوازيين: واشنطن أمام امتحان انتزاع خطوة إسرائيلية، وعون يبحث في أوروبا والفاتيكان عن شبكة أمان للمرحلة المقبلة. وبين المسارين تبقى الأرض هي الحكم، فيما الاعتداءات الإسرائيلية مستمرة، والمنطقة المحيطة بلبنان تزداد سخونة من إيران إلى سوريا وغزة.
علي الطاهر... العقدة التي تختصر كل شيء
هذا، وتحولت «علي الطاهر» إلى اختبار سياسي وعسكري للمرحلة المقبلة. فالجيش اللبناني جاهز للقيام بدوره، وتثبيت سلطة الدولة في أي منطقة تسمح الظروف الميدانية بالانتشار فيها، إلا أن المشكلة تكمن في كيفية حصول هذا الانتشار، وفي انسحاب «إسرائيل».
وفي المقابل، تواصل «إسرائيل» ممارسة الضغط العسكري على المنطقة ومحيطها، وسط اعتداءات وقصف استهدف بلدات جنوبية، ما يعزز المخاوف اللبنانية من محاولة فرض وقائع جديدة بالقوة، قبل الوصول إلى أي تفاهم نهائي.
وتقول مصادر سياسية إن نجاح معالجة ملف علي الطاهر، يمكن أن يفتح الباب أمام توسيع نموذج «المناطق التجريبية»، فيما سيعني الفشل أن المشكلة أكبر من موقع أو تلة، وأن الطرفين عادا إلى الخلاف الأساسي حول ترتيب التنفيذ.
فلبنان يريد معادلة متوازنة: انسحاب إسرائيلي يقابله انتشار الجيش وتثبيت سلطة الدولة، وعودة الأهالي وإطلاق مسار إعادة الإعمار. أما أن ينفذ لبنان خطواته أولًا، فيما تحتفظ «إسرائيل» بحرية الحركة والقصف والاحتلال، فهو أمر يصعب تسويقه سياسيا أو شعبيا في الداخل.
واشنطن أمام «امتحان إسرائيل»
وهنا، تنتقل كرة النار إلى الملعب الأميركي. فالولايات المتحدة، التي رعت المفاوضات ودفعت باتجاه «اتفاق الإطار» وآليات تنفيذه، باتت اليوم مطالبة بإثبات قدرتها على الضغط في الاتجاهين، وليس على بيروت وحدها.
وتقول أوساط سياسية إن المشكلة لم تعد في إقناع لبنان، بضرورة تعزيز انتشار الجيش وبسط سلطة الدولة، فالموقف الرسمي اللبناني واضح في هذا المجال، وإنما في الحصول على ضمانات بأن الخطوات اللبنانية ستقابلها خطوات إسرائيلية ملموسة.
وإذا لم تتمكن واشنطن من انتزاع انسحاب إسرائيلي تدريجي وربطه بمراحل التنفيذ، فإن الثقة بالمسار الحالي ستبدأ بالتراجع، وسيصبح السؤال أكثر جدية حول إذا كانت الاتصالات الأميركية تهدف إلى الوصول إلى حل فعلي، أم إلى إدارة النزاع ومنع الحرب فقط؟
وتزداد هذه المخاوف في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية والضغط العسكري، بالتوازي مع العقوبات الأميركية الجديدة، التي استهدفت شبكات مرتبطة بحزب الله وإيران، ما يؤكد أن واشنطن لا تفصل المسار اللبناني عن سياستها الأوسع في المنطقة.
براك يفجّر الأسئلة: من يملك قرار التسوية؟
وفي توقيت بالغ الدلالة، جاءت تصريحات المبعوث الأميركي توم براك، لتكشف جانبًا من نظرة واشنطن إلى المشهد الإقليمي، من لبنان إلى سوريا و«إسرائيل». ففي الملف اللبناني، اعتبر براك أن المشكلة في المفاوضات اللبنانية ـ «الإسرائيلية» تكمن في غياب من يملكون القدرة الفعلية على اتخاذ القرار عن الطاولة، مشيرا إلى أن إيران وحزب الله لا يمكن تجاهلهما، إذا كان المطلوب الوصول إلى تسوية قابلة للتنفيذ.
وتفتح هذه المواقف بابًا واسعًا أمام الأسئلة حول المرحلة المقبلة من المفاوضات: هل ترى واشنطن أن الصيغة الحالية استنفدت قدرتها على تحقيق اختراق؟ وهل يمهّد كلام براك للبحث عن آلية سياسية أوسع، تتجاوز المفاوضات التقنية والعسكرية القائمة حالياً؟
لكن اللافت أن براك لم يحصر انتقاداته بالجانب اللبناني. ففي سوريا، وجّه انتقادا واضحا إلى «إسرائيل» على خلفية قصف قاعدة أبو الظهور، محذرا من أن مثل هذه العمليات قد تؤدي إلى تداعيات خطرة مع تركيا، وكشف أن أنقرة اقتربت من التفكير في رد عسكري. كما أشار إلى احتمال حصول خلل أو سوء تواصل داخل الجانب الإسرائيلي بشأن الضربة، فيما رد وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس بعنف على كلامه، ووصفه بأنه يتضمن «مغالطات».
وذهب براك أبعد من ذلك، عندما وصف الجولان بأنه أرض سورية لا تزال «إسرائيل» تحتلها، مستندا إلى القرارات الدولية، في موقف أثار اعتراضا إسرائيليا علنيا، وفتح سجالا لافتا بين المبعوث الأميركي وحكومة بنيامين نتنياهو.
وبذلك، ترسم تصريحات براك صورة أميركية أكثر قلقا من مسار المنطقة: مفاوضات لبنانية لا تضم، وفق رؤيته، جميع أصحاب القرار، واحتكاك «إسرائيلي» ـ تركي كاد يخرج عن السيطرة في سوريا، وخلاف أميركي ـ «إسرائيلي» يخرج إلى العلن حول حدود الحركة العسكرية الإسرائيلية. وهي عناصر تعزز السؤال الذي يفرض نفسه أيضا في الجنوب اللبناني: هل لا تزال واشنطن قادرة على ضبط إيقاع حلفائها ودفعهم نحو التسويات، أم أن الوقائع الميدانية بدأت تسبق الديبلوماسية؟
عون يحمل الجنوب الى روما
وفي موازاة المسار الأميركي، اختتم رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون جولته في روما والفاتيكان، واضعا ملف الجنوب في صدارة محادثاته في روما.
وطلب عون من رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني دعم لبنان والضغط على «إسرائيل»، من أجل احترام «اتفاق الإطار» وتنفيذ الالتزامات المطلوبة منها، وفي مقدمها وقف الاعتداءات والانسحاب من الأراضي اللبنانية.
لكن أهمية المحادثات تجاوزت الوضع الميداني الآني إلى ملف أكثر حساسية: ماذا بعد «اليونيفيل»؟
فلبنان الذي يتمسك باستمرار وجود دولي في الجنوب، يدرك أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى معالجة مبكرة لمصير القوات الدولية، منعًا لحدوث فراغ أمني وسياسي على الحدود، في وقت لا تزال فيه التسوية مع «إسرائيل» بعيدة عن الاكتمال.
ووفق الأجواء المتوافرة، فإن الأولوية اللبنانية تبقى الحفاظ على «اليونيفيل»، لكن بيروت بدأت في الوقت نفسه البحث في الاحتمالات البديلة، بما يضمن استمرار مظلة دولية تواكب الجيش اللبناني، وتحول دون ترك الجنوب وحيداً أمام واقع شديد التعقيد.
من روما إلى الفاتيكان... طلب مظلّة للبنان
وحمل عون الملف نفسه إلى الفاتيكان، ولكن من بوابة سياسية وديبلوماسية أوسع، عنوانها حماية استقرار لبنان وحشد أكبر قدر ممكن من الدعم الدولي للضغط، من أجل إنهاء الاحتلال ووقف الاعتداءات.
وتنظر بعبدا إلى التحرك الرئاسي، باعتباره محاولة لتوسيع دائرة الضغط، وعدم حصر الملف بالقناة الأميركية وحدها، خصوصا أن إيطاليا والفاتيكان يمتلكان هامشا سياسيا وديبلوماسيا، يمكن الاستفادة منه أوروبيا ودوليا. وعليه، يبحث لبنان عن شبكة أمان دولية جديدة للجنوب تواكب أي تسوية مقبلة، وتمنع تحويل الحدود إلى منطقة مفتوحة على التصعيد.
حزب الله... العين على الانسحاب
وفي المقابل، يراقب حزب الله مسار الاتصالات من زاوية مختلفة، إذ تبقى بالنسبة إليه مسألة الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات أساسية، قبل الحديث عن خطوات إضافية مرتبطة بالسلاح والمواقع العسكرية.
وهنا، تكمن إحدى العقد الأكثر حساسية أمام الدولة اللبنانية، لأن أي معالجة للملف يجب أن تحصل تحت سقف المؤسسات ومن خلال الجيش، ومن دون أن تتحول الضغوط الخارجية إلى مواجهة داخلية.
وتشير الأجواء السياسية إلى أن المرحلة المقبلة ستتركز على محاولة إيجاد صيغة، تربط الخطوات بعضها ببعض: خطوة إسرائيلية تقابلها خطوة لبنانية، بما يسمح للدولة بتوسيع حضورها تدريجياً، من دون أن يظهر الأمر وكأنه تنفيذ أحادي الجانب.
إيران وأميركا... «حرب العقوبات» تعود
إقليمياً، ترتفع مجددا حرارة المواجهة بين واشنطن وطهران، عشية إعلان الولايات المتحدة حزمة جديدة من العقوبات الاقتصادية على إيران، وسط تبادل للرسائل شديدة اللهجة بين الطرفين.
واعتبرت طهران العقوبات المرتقبة انتهاكاً لسيادة الدول والقانون الدولي، فيما تؤكد الإدارة الأميركية أنها تتجه إلى تشديد غير مسبوق للضغط الاقتصادي.
ويكتسب التصعيد أهمية خاصة بالنسبة إلى لبنان، لأن أي انتقال من الضغوط الاقتصادية إلى مواجهة عسكرية جديدة، سيعيد خلط الأوراق في المنطقة، وسيضع الجنوب اللبناني مجدداً تحت تأثير الصراع الأميركي ـ الإيراني.
وفي الوقت الراهن، يبدو أن واشنطن تريد إعطاء الأولوية لسلاح العقوبات، لكن غياب تسوية سياسية بين الطرفين، يعني أن خطر الانفجار لم يسقط، بل جرى تأجيله.
سوريا... «إسرائيل» وتركيا تقتربان من الخط الأحمر
وفي سوريا، برز تطور إقليمي لا يقل خطورة، بعدما تحولت قاعدة أبو الظهور الجوية إلى عنوان مواجهة غير مباشرة بين «إسرائيل» وتركيا.
فالضربة الإسرائيلية للقاعدة، والتحذيرات المتبادلة بين أنقرة و«تل أبيب»، كشفت للمرة الأولى بصورة واضحة حجم الصراع على مستقبل الانتشار العسكري في سوريا.
وتكمن خطورة الملف في أن أي خطأ في الحسابات، قد يحول صراع النفوذ إلى احتكاك عسكري مباشر، وهو ما تحاول واشنطن تجنبه في المرحلة الحالية.
غزة... لا اختراق بعد جولة كوشنر
أما في غزة، فلم تؤد جولة المبعوث الأميركي جاريد كوشنر بين حماس و«إسرائيل» إلى الاختراق المنتظر.
ولا تزال العقدة الأساسية قائمة بين إصرار «إسرائيل» على نزع سلاح حماس، وتدمير قدراتها العسكرية والأنفاق قبل استكمال الانسحاب، وبين مطالبة الحركة بخطوات إسرائيلية وضمانات تتعلق بوقف العمليات والانسحاب.
ومع استمرار الضربات الإسرائيلية، تبدو واشنطن أمام معضلة مشابهة ـ وإن اختلفت الظروف ـ لما تواجهه في لبنان: كيف تنتقل من إدارة وقف هش للنار إلى تسوية قابلة للتنفيذ؟
المنطقة تنتظر... والجنوب أمام ساعة الحقيقة
وهكذا، تتقاطع خطوط التوتر من جنوب لبنان إلى غزة وسوريا وإيران، فيما تحاول واشنطن منع تحول أي منها إلى انفجار إقليمي جديد.
ففي لبنان، المرحلة المقبلة ستحدد إذا كان «اتفاق الإطار» قادرا فعلا على إنتاج تسوية تبدأ بالانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش وعودة الأهالي وإطلاق إعادة الإعمار، أم أنه سيتحول إلى مظلة سياسية لإدارة نزاع طويل.
وبين علي الطاهر التي تختبر قدرة واشنطن على إلزام «إسرائيل»، وروما والفاتيكان، حيث يبحث عون عن مظلة دولية أوسع، يبدو الجنوب أمام ساعة الحقيقة: إما خطوات متبادلة تعيد فتح طريق التسوية... وإما مراوحة تحت النار تضع كل المسار أمام المجهول.









/file/attachments/2390/f01-05-22-08-2026_465667.jpg)
4 دقائق قراءة/file/attachments/2389/f01-01-21-08-2026_339953.jpg)
/file/attachments/2389/p01-01-20-08-2026_785552_816014.jpg)
/file/attachments/2389/f01-001-19-08-2026_175216.jpg)
/file/attachments/2387/158952.jpg)
/file/attachments/2387/f01-02-15-08-2026_844612.jpg)



