"مفارقة الناتو"... تقليص القوات الأميركية لا يعني التخلي عن القواعد الأوروبية !

"مفارقة الناتو"... تقليص القوات الأميركية لا يعني التخلي عن القواعد الأوروبية !
A- A+

يواجه حلف شمال الأطلسي «الناتو» مرحلة من التوتر المتزايد، في ظل ضغوط الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الحلفاء لزيادة الإنفاق الدفاعي، وتهديداته المتكررة بخفض الوجود العسكري الأميركي في أوروبا، وسط تصاعد المخاوف بشأن مستوى الالتزام الأميركي بأمن القارة.

في قاعدة ميخائيل كوغالنيشانو الجوية في رومانيا، الواقعة على الجناح الشرقي لحلف «الناتو» قرب أوكرانيا، غادر نحو نصف القوات الأميركية، البالغ عددها قرابة ألفي جندي، العام الماضي، في إطار إعادة ترتيب الوجود العسكري الأميركي في أوروبا.

ومع ذلك، لا تزال القاعدة تؤدي دوراً مهماً في العمليات الأميركية، إذ انتشرت فيها تسع طائرات تزويد بالوقود من طراز «KC-135» خلال الحرب مع إيران، وبقيت لأشهر، ما يعكس استمرار اعتماد واشنطن على القواعد العسكرية الأوروبية.

وتكشف هذه المفارقة جوهر أزمة الناتو الحالية حيث تضغط واشنطن لتقليص الاعتماد الأوروبي عليها، لكنها في الوقت نفسه لا تزال تحتاج إلى البنية العسكرية الأوروبية لعرض قوتها في أوروبا والشرق الأوسط ومناطق أخرى.

وأظهر تحقيق استند إلى مقابلات مع أكثر من 50 مسؤولاً وخبيراً عسكرياً ودبلوماسياً غربياً أن الحلف يمر بمرحلة توتر، لكنه لم يصل إلى حد الانهيار. بحسب ما ذكرته صحيفة the JapanTime


ويشير مسؤولون أميركيون إلى وجود معارضة داخل الكونغرس، من جانب الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء، لأي انسحاب أميركي واسع من «الناتو»، مدفوعةً أيضاً بمصالح شركات الصناعات الدفاعية الأميركية المرتبطة بالسوق الأوروبية.

لكن تداعيات سياسة ترامب تتجاوز مسألة عدد الجنود. فالثقة بين ضفتي الأطلسي تتراجع، بينما تعيد دول أوروبية وكندا النظر في اعتمادها على الأسلحة والتكنولوجيا والشركات الأمريكية. وتشير المعطيات إلى أن ثماني دول على الأقل، بينها كندا وبولندا والدنمارك وإسبانيا وفرنسا وألمانيا وتركيا والنرويج، تبحث عن سبل لتنويع مصادر تسليحها.


في المقابل، ارتفع الإنفاق الدفاعي الأوروبي بوتيرة كبيرة. فقد زادت الدول الأوروبية الأعضاء في الناتو وكندا إنفاقها الدفاعي بنسبة 20% خلال 2025 مقارنة بالعام السابق. كما وافقت جميع الدول الأعضاء باستثناء إسبانيا على هدف الوصول إلى إنفاق يعادل 5% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع والاستثمارات الأمنية الأوسع بحلول 2035.

ويجري البنتاغون مراجعة تستمر ستة أشهر لوضع القوات الأمريكية في أوروبا، بعدما كان وزير الدفاع "بيت هيغسيث "يعتزم الإعلان عن خفض يقارب 25 ألف جندي، وهو ما كان سيخفض الوجود العسكري الأميركي إلى ما دون الحد الذي فرضه الكونغرس. ويظل احتمال الخفض قائماً.


وتواصل واشنطن الاستثمار في قواعد أوروبية استراتيجية. ففي رومانيا يتجاوز الاستثمار الأميركي في قاعدة كوغالنيشانو 100 مليون دولار، فيما تنفق رومانيا نحو 2.7 مليار دولار لتوسعتها. كما تخصص الولايات المتحدة أكثر من 4.2 مليار دولار لمشروعات في سبع قواعد جوية بريطانية، ونحو 400 مليون دولار لمشروعات في قاعدة مورون الإسبانية.


وتزيد التوغلات الروسية بالطائرات المسيّرة والصواريخ في أراضي دول الناتو من حساسية المرحلة، فيما تخشى عواصم أوروبية أن تفسر موسكو تراجع الثقة بين واشنطن وأوروبا باعتباره إشارة على انقسام الحلف.

وعلى الرغم من تأكيد حكومات أوروبية أن حلف «الناتو» لا يزال موحداً، فإن التحول الأبرز يتمثل في استعداد أوروبا لتحمّل مسؤولية أكبر عن دفاعها. ومع استمرار الغموض بشأن الدور الأميركي، تتجه الدول الأوروبية إلى تعزيز قدراتها العسكرية وتنويع شراكاتها الدفاعية، في تحول قد يعيد رسم ملامح العلاقة عبر الأطلسي خلال العقود المقبلة.



Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration