كيف نتقل التيك توك من تسلية الاطفال الى عدو السلطات؟

24 أيلول 2026 الساعة 13:49
كيف نتقل التيك توك من تسلية الاطفال الى عدو السلطات؟
A- A+

لم يعد "تيك توك" مجرد منصة لمقاطع الفيديو القصيرة الخاصة بالمراهقين، بل تحول خلال عقد من الزمن إلى ساحة مواجهة مفتوحة مع الحكومات والمؤسسات التشريعية حول العالم.

وتجسدت هذه الفجوة التنظيمية بوضوح في 12 حزيران 2025، عندما خضع ممثلو المنصة لاستجواب أمام لجنة تحقيق برلمانية فرنسية استمر أكثر من ثلاث ساعات، عبّرت خلاله المقررة لور ميلر عن انزعاجها من إجابات الشركة، قائلة: "هذا غير مقبول! تجدون الأمر عاديًا، لكنني أجده لا يُطاق".

ولم تكن جلسة باريس سوى محطة في مسار طويل من المواجهات القانونية والسياسية التي لاحقت المنصة عبر قارتين. ففي 20 أيلول 2026، أكمل "تيك توك" عامه العاشر، متوجًا عقدًا كاملًا من النمو المتسارع الذي واكبه تصاعد في الضغوط الحكومية واتهامات بالتأثير على الأمن القومي والصحة النفسية للشباب، وسط تمسك إدارة التطبيق بموقفها ورفضها التراجع أمام التهديدات بالحظر.

الخطيئة الأصلية

تبدأ القصة عام 2012، حين أسس المهندس الصيني تشانغ يمينغ شركة بايت دانس (ByteDance) للتطبيقات المحمولة. وفي 2016، أطلق تطبيق Douyin الذي أصبح "تيك توك" خارج الصين. وفي 2017، استحوذت بايت دانس على تطبيق Musical.ly الشائع في الغرب، فورث "تيك توك" جمهوره تلقائيًا.

ويُلخص أوليفييه إيرتشيد، الباحث في علوم الإعلام والاتصال بجامعة نانت والمتخصص في الثقافة الرقمية، المشهد لصحيفة "لوموند"، قائلًا: "في اقتصاد المنصات الذي اعتدنا فيه على التعامل مع لاعبين أميركيين تقريبًا حصريًا، وصول تيك توك إلى هذا الفضاء هو استثناء حقيقي، وستتبلور حوله مصالح جيوسياسية"، خاصة بعد 2020، حين رفعت قيود كوفيد التطبيق إلى قائمة أكثر التطبيقات تحميلًا في العالم.

وتتمحور الاتهامات الأميركية حول ثلاثة محاور: نقل بيانات المواطنين الأميركيين إلى الحكومة الصينية، والتلاعب بالرأي العام الأميركي لصالح بكين، وإغراق الشباب الأميركي بمحتوى يُضعف قدراتهم.

ووصف السيناتور الجمهوري جوش هاولي التطبيق عام 2022 بأنه "حصان طروادة للحزب الشيوعي الصيني".

عقد من العقوبات والضغوط

في 2020، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بحظر "تيك توك" ما لم تبع بايت دانس عملياتها الأميركية.

وفي 2023، حُظر على موظفي الحكومة الفيدرالية الأميركية تثبيت التطبيق على أجهزتهم الرسمية، وتبعتهم المفوضية الأوروبية وعدة دول، منها فرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا.

أما في 2024، ففتحت المفوضية الأوروبية تحقيقًا يشمل "حماية القاصرين" و"مخاطر التصميم الإدماني". وفي تشرين الأول 2025، خلص موقع The Insider إلى أن أحد أقرب مساعدي ترامب دخل في رأسمال "تيك توك". وفي كانون الثاني 2026، أُتمت الصفقة. ويعلّق إيرتشيد: "وراء ذلك كانت في الأساس مصالح رأسمالية وسوقية".

وفي شباط 2026، أمرت المفوضية "تيك توك" بتغيير واجهته المتهمة بـ"الإضرار بالصحة الجسدية والنفسية للأطفال" الذين يستخدمونه بشكل قهري إلى حد فقدان النوم.

الخوارزمية.. نفق بلا نهاية

تجسّد دراسة لمنظمة العفو الدولية، كُشف عنها عام 2025، جانبًا من المخاوف. فبحسب الدراسة، عندما ترصد خوارزمية "تيك توك" اهتمام أحد المستخدمين بمحتوى يتعلق بالاكتئاب أو إيذاء النفس أو الانتحار، فإنها تضخ المزيد من هذا النوع من المحتوى.

ويُعرف ذلك بتأثير "جحر الأرنب"، إذ تقول المنظمة إن "تيك توك لا يزال يُغرق شاشات المراهقين الضعفاء بمحتوى خطير قد يصل إلى تشجيع إيذاء النفس أو الانتحار".

ورفعت عائلات عدة دعاوى ضد التطبيق في فرنسا وخارجها، متهمةً إياه بدفع أطفالهم إلى الانتحار. وكان ذلك أحد الأسباب التي دفعت لور ميلر إلى اقتراح تشكيل لجنة التحقيق البرلمانية.

وحين سُئلت عن سبب اختيار "تيك توك" تحديدًا، أجابت: "لأنه يمثل جوهر أسوأ ما في الشبكات الاجتماعية. بالإضافة إلى ذلك، هم غامضون جدًا في تواصلهم، مما يعزز صورتهم كتلميذ سيئ". وأضافت: "كان لذلك أيضًا دور في اختيارهم. تحتاج إلى واجهة حتى يتفاعل الجمهور الشاب مع الموضوع".

ما الذي يجعل "تيك توك" مختلفًا؟

يطرح ذلك سؤالًا حول سبب عدم انطباق هذه الانتقادات على "إنستغرام" و"يوتيوب" و"فيسبوك" أيضًا. ويشير بعض الباحثين إلى أن "تيك توك" يجمع ثلاثة عوامل في منصة واحدة: التمرير المستمر واللانهائي للمحتوى، والخوارزمية المتقدمة في تخصيص المحتوى، والأصول الصينية التي تضيف بُعدًا جيوسياسيًا لا يمتلكه منافسوه الأميركيون.

وفي فرنسا، أوصت لجنة التحقيق البرلمانية بحظر استخدام شبكات التواصل الاجتماعي على من هم دون الخامسة عشرة. وصدر قانون في 24 آب، لكن المجلس الدستوري ألغى بند الحظر المطلق بحجة حرية التعبير.

وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، كشفت المفوضية في 16 أيلول 2026 عن قانون Kids Act، الذي يستهدف تقييد وظائف معينة للمراهقين.

ويتركز النقاش بصورة خاصة على التمرير اللانهائي وخوارزمية التوصية، وهما من أبرز خصائص "تيك توك".

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration