
بيروت
- «محاباة المصارف» فبركة لتغطية المسّ بصلاحيات «المركزي»
- مَن شطب مرجعية «النقد والتسليف» فتح الباب لتعدّد المرجعيات وتضارب الصلاحيات
يتعرّض رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون لحملة سياسية وإعلامية عنيفة بعد وقوفه سدًا منيعًا في وجه محاولة المسّ باستقلالية مصرف لبنان ووحدة القرار فيه، عبر تعديل غير مسبوق أُدخل على قانون إصلاح المصارف، تمثّل بشطب عبارة «مع مراعاة أحكام قانون النقد والتسليف» من المادة الثالثة، بما يفتح الباب أمام تعدّد المرجعيات وتضارب الصلاحيات داخل المؤسسة النقدية الأولى في الدولة.
وتأتي هذه المواجهة بعد سلسلة محاولات لإضعاف صلاحيات مصرف لبنان وحاكمه، والمساس بحاكمية المصرف المركزي باعتبارها الموقع المالي والنقدي الأول في الدولة. رئيس الجمهورية رفض الإذعان للضغوط، وتمسّك بحماية المؤسسة ووحدة قرارها، ونقل المواجهة إلى مكانها الدستوري، فتقدّم بطعن أمام المجلس الدستوري حصره بالمادة الثالثة التي شُطبت منها مرجعية قانون النقد والتسليف.
ومن هنا بدأت حملة قلب الحقائق. فبدلًا من السؤال عن سبب شطب مرجعية قانون النقد والتسليف، وعن الجهة التي أصرت على هذا الشطب وأهدافها، جرى التصويب على رئيس الجمهورية واتهامه بمحاباة المصارف والدفاع عن مصالحها وتعطيل الإصلاح وتهديد الاتفاق مع صندوق النقد الدولي.
ومن المؤكد أن هذه الرواية تقوم على مغالطات هدفها تغطية أصل المشكلة. فالطعن محصور بالمادة الثالثة، فيما اعتراضات المصارف ومصالحها تقع في مواد ومسائل أخرى. والأوضح من ذلك أن المذكرة الاعتراضية التي رفعتها جمعية المصارف بواسطة محاميها خلال مناقشة القانون، لم تطلب ما يطلبه رئيس الجمهورية اليوم في طعنه، ولم تجعل مسألة شطب مرجعية قانون النقد والتسليف موضع اعتراض لها. فكيف يصبح الطعن دفاعًا عن المصارف فيما النقطة التي طعن فيها رئيس الجمهورية لم تكن أصلًا مطلباً للمصارف؟
أما المغالطة الثانية فتتمثل بمحاولة الإيحاء بأن صندوق النقد الدولي طلب شطب عبارة «مع مراعاة أحكام قانون النقد والتسليف». وتؤكد المعلومات أن الصيغة التي خرجت من الحكومة، ثم الصيغة التي عملت عليها لجنة المال والموازنة وأحالتها إلى الهيئة العامة، مرت بمسار من التوافق بين الجهات الأساسية المعنية بالقانون وبالاتفاق مع صندوق النقد الدولي، وأن ربط قانون إصلاح المصارف بقانون النقد والتسليف جاء لحماية استقلالية مصرف لبنان ووحدة القرار فيه ومنع قيام مرجعيات متضاربة داخل المؤسسة.
وتشير المصادر إلى أن الانقلاب على هذه الصيغة حصل لاحقًا داخل الهيئة العامة، في خضم الأجواء السياسية والفوضى التي رافقت جلسة قانون العفو العام، ومع انسحاب كتل وغياب عدد من النواب، حيث نجحت كتل نيابية في شطب العبارة وتمرير المادة بصيغتها الجديدة، خلافًا للصيغة التي كانت قد مرت بمراحل التفاوض والنقاش بين الجهات المعنية. ومن هنا تعتبر المصادر أن كل محاولة لتقديم الشطب باعتباره مطلبًا من صندوق النقد الدولي تشكل تشويهًا لحقيقة المسار الذي سلكه القانون.
وتصل حملة التضليل إلى حد مساءلة رئيس الجمهورية عن توقيع القانون ثم الطعن فيه، وهي حجة تكشف جهلًا بآلية الرقابة الدستورية نفسها. فالقانون يجب أن يصدر وينشر وفق الأصول حتى يصبح قابلًا للمراجعة أمام المجلس الدستوري، وعندئذ يمارس رئيس الجمهورية، كما سائر الجهات التي منحها الدستور والقانون هذه الصلاحية، حق الطعن فيه. كما أن عون لم يكن معترضًا على قانون إصلاح المصارف برمته حتى يرده كاملًا إلى مجلس النواب، وإنما حصر اعتراضه بمادة واحدة محددة هي المادة الثالثة. فردّ القانون بأكمله كان سيضع موقفه في إطار الاعتراض على قانون إصلاح المصارف ككل، في حين أن اعتراضه يتعلق حصرًا بالإشكالية الدستورية التي يرى أنها نشأت عن شطب مرجعية قانون النقد والتسليف من المادة الثالثة. لذلك وقّع القانون وأتاح صدوره ونشره، ثم سلك الطريق الدستوري المحدد، فتقدّم بطعن محصور بالمادة الثالثة، واضعًا موضع النزاع وحده أمام المجلس الدستوري من دون تعطيل القانون برمته أو فتح مواجهة حول مجمل مسار إصلاح القطاع المصرفي.
والأكثر دلالة أن الطعن لم يُقدَّم وسط حملة إعلامية من بعبدا، اذ تؤكد المعلومات أنه أُنجز قبل أكثر من أسبوع وبعيدًا عن الأضواء، تحديدًا كي لا يُستغل لضرب مسار الإصلاح أو الاتفاق مع صندوق النقد. غير أن خبر الطعن خرج من الغرف المغلقة إلى الإعلام، وبدأ الاستثمار السياسي فيه والتصويب على رئاسة الجمهورية، فتحولت مراجعة محصورة بمادة واحدة إلى حملة تتهم عون بحماية المصارف وعرقلة الإصلاح.
وهنا تتكشف الحقائق، فلو كان الرئيس يريد ضرب قانون إصلاح المصارف كان يستطيع الاعتراض على مواده الأساسية. ولو كان الرئيس يريد حماية المصارف كان يستطيع الطعن في المواد التي تمس مصالحها مباشرة. ولو كان الرئيس يريد مواجهة صندوق النقد كان يستطيع فتح معركة سياسية وإعلامية حول القانون برمته. بينما تصرف الرئيس عون بالعكس: حصر طعنه في المادة الثالثة وفي مسألة واحدة واضحة، هي إبقاء قانون النقد والتسليف مرجعية للعمل النقدي والمصرفي، حماية لوحدة القرار داخل مصرف لبنان واستقلاليته ومنعًا لتعدد المرجعيات وتضارب الصلاحيات.
من هنا تبدأ «الديار» بتتبّع خلفيات الطعن، وما جرى للمادة الثالثة منذ خروج قانون إصلاح المصارف من الحكومة، مرورًا بلجنة المال والموازنة والهيئة العامة، وصولًا إلى مراجعة رئيس الجمهورية أمام المجلس الدستوري، لتظهر صورة مختلفة جذريًا عن تلك التي تحاول الحملة السياسية والإعلامية تكريسها.
اذ ان الطعن ينطلق من أن قانون النقد والتسليف وإنشاء المصرف المركزي، الموضوع موضع التنفيذ بموجب المرسوم الرقم 13513 تاريخ الأول من آب 1963، يشكل التشريع الأم الذي ينظم مصرف لبنان وعلاقته بالدولة والمصارف ومهماته الرقابية. ويذهب أبعد من ذلك في وصف قانون النقد والتسليف بأنه «دستور نقدي» بالمعنى الفقهي والوظيفي، نظرًا إلى دوره في تأسيس وحدة السياسة النقدية والمصرفية ومنع قيام سلطات أو آليات خاصة تعمل خارج الأهداف العامة التي رسمها المشرّع للمصرف المركزي، وهنا يقع جوهر المعركة، حيث ان مصرف لبنان لا يستطيع أن يعمل بمرجعيات متعددة، ولا يمكن إنشاء آليات وصلاحيات داخل المنظومة النقدية والمصرفية من دون تحديد علاقتها بالتشريع الأم الذي أنشأ المصرف المركزي وحدد أهدافه وصلاحياته. ويستند الطعن في ذلك إلى المادة 70 من قانون النقد والتسليف التي تضع في صلب مهمة مصرف لبنان المحافظة على سلامة النقد اللبناني، والمحافظة على الاستقرار الاقتصادي، والمحافظة على سلامة أوضاع النظام المصرفي، وتطوير السوق النقدية والمالية.
وفي هذا الإطار، تؤكد المعلومات أن هذه العبارة كانت موجودة أصلًا ومتوافقًا عليها خلال مسار إعداد القانون، وأنها حظيت بموافقة الأطراف المعنية، قبل أن يجري الإصرار على شطبها. وتشير مصادر سياسية إلى أن مجموعة من النواب وقفت خلف حذف العبارة، وتغمز أيضًا من قناة رئيس الحكومة لناحية الدفع في هذا الاتجاه. وتسأل المصادر عن السبب الذي يبرر شطب مرجعية قانون النقد والتسليف من نص يتناول عملًا مصرفيًا ونقديًا يقع مصرف لبنان في صلبه.
بناءً على ذلك تحرك رئيس الجمهورية لحماية استقلالية مصرف لبنان ووحدة القرار داخله وتراتبية السلطة التي تحكم عمله. والطعن الذي قدمه عون يذهب إلى المبدأ نفسه عندما يشدد على ضرورة منع قيام سلطات أو آليات خاصة تعمل خارج الأهداف العامة التي رسمها المشرّع للمصرف المركزي.
ومن هنا يتلقف رئيس الجمهورية الدفاع عن استقلالية مصرف لبنان باعتباره المؤسسة النقدية الأولى في الدولة. وتأخذ القضية أيضا بعدًا حساسًا في التركيبة اللبنانية، باعتبار حاكمية مصرف لبنان الموقع المالي المسيحي الأول في الدولة. والمصادر ترى أن حماية هذا الموقع تبدأ بالحفاظ على فعاليته وصلاحياته وموقعه في تراتبية القرار، بعيدًا عن اسم الحاكم الحالي أو أي حساب شخصي أو سياسي.
اذًا الاتهام يوجه الى رئيس الجمهورية الذي حصر مراجعته بالمادة الثالثة لتصحيح الإشكالية الدستورية والحفاظ على مرجعية التشريع الأم، أم الى من أصر على حذف العبارة التي كانت تحسم المرجعية وتمنع تضارب الصلاحيات؟
لذلك ترى المصادر أن إدخال المصارف في المواجهة يشكل ستارًا سياسيًا يحجب أصل القضية المتمثلة بمحاولة ضرب وحدة واستقلالية مصرف لبنان من خلال فتح الباب أمام تعدد المرجعيات وتضارب الصلاحيات داخله.
المجلس الدستوري أصبح اليوم أمام مسألة واضحة: هل يستطيع قانون خاص بإصلاح المصارف أن يعمل بمعزل عن التشريع الأم الذي ينظم مصرف لبنان والسياسة النقدية والمصرفية؟ وهل يمكن ترك العلاقة بين الصلاحيات والمرجعيات عرضة للتفسير والاجتهاد في مؤسسة تمسك بالاستقرار النقدي والمالي للبلاد؟










/file/attachments/2403/f01-01-02-10-2026_526080.jpg)
3 دقائق قراءة/file/attachments/2403/f01-01-01-10-2026_496062.jpg)
/file/attachments/2402/f01-01-30-09-2026_718844.jpg)
/file/attachments/2402/f01-01-29-09-2026_187456_651722.jpg)
/file/attachments/2402/66_951682.jpg)
/file/attachments/2401/f01-02-26-07-2026_445039.jpg)



