واشنطن وبكين على الخط... لبنان يستعد لما بعد «اليونيفيل» إحتقان اجتماعي تحت السيطرة... إرضاء الهيئات العمالية

29 أيلول 2026 الساعة 23:01
واشنطن وبكين على الخط... لبنان يستعد لما بعد «اليونيفيل»
إحتقان اجتماعي تحت السيطرة... إرضاء الهيئات العمالية

إجتماعات سلام في مقر البنك الدولي في واشنطن

A- A+

في مشهد لبناني تتقاطع فيه الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تبدو أبواب الحوار مقفلة خارجيا، فيما تتحرك السياسة داخليًا من دون أن تنتج اختراقًا يبدّل قواعد الاشتباك. وبينما ينشغل حزب الله برسم حساباته للمرحلة المقبلة وما بعد اليونيفيل، تتشدد واشنطن في ربط أي دعم للبنان بمسار صندوق النقد وقانون الفجوة المالية.

على خط موازٍ، تحرق أزمة الطاقة ما تبقى من القدرة الشرائية والإنتاجية، فيما تكتفي الحكومة بإجراءات أشبه بالمسكنات. أما الشارع، فيبدو حتى الساعة تحت السيطرة، وسط ضغوط متزايدة على النقابات، ومخاوف من أن يتحول الاحتقان الاجتماعي المتراكم إلى تحركات مطلبية يصعب ضبط مسارها.


قاسم حسمها


فحال الجمود المحيطة بمسارات الحوار والتفاوض خارجيا، انعكست على المشهد الداخلي اللبناني، في وقت تبدو فيه الحركة السياسية ناشطة في الشكل، عاجزة في المضمون عن إنتاج أي اختراق فعلي في الملفات الخلافية، وسط انسداد واضح في قنوات التواصل وتباعد في المقاربات بين القوى السياسية، ولا سيما في ما يتصل بملف السلاح ومستقبل الترتيبات الأمنية في الجنوب، حيث تؤكد أوساط سياسية مقربة من المقاومة أن أبرز الرسائل التي حملها كلام الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، في «الذكرى الثانية للسيدين»، تمثلت في حسم موقف الحزب من مسألة الحوار مع رئاسة الجمهورية، لجهة رفض فتح هذا المسار في المرحلة الراهنة، بانتظار توافر الظروف والشروط التي يعتبرها الحزب ضرورية للانخراط فيه، لافتا إلى أن هذا الموقف لم يتبدل، رغم الوساطة التي قامت بها دولة إقليمية بهدف تقريب وجهات النظر وفتح ثغرة في جدار القطيعة السياسية.


انفتاح شرقًا


وتابعت الأوساط بأن قيادة حزب الله لا تبدو في موقع الانتظار، بل تتحرك خارجيا بعيدا عن الأضواء، عبر قنوات إقليمية ودولية، في محاولة لقراءة اتجاهات المرحلة المقبلة واستشراف طبيعة التسويات المحتملة، حيث سجلت في هذا الاطار زيارة وفد من الحزب إلى موسكو، في مؤشر إلى استمرار التواصل مع عواصم دولية فاعلة، في موازاة معلومات أميركية عن رصد اتصالات بين بكين وحارة حريك، تركزت، على الوضع الجنوبي ومستقبل الترتيبات الأمنية بعد انتهاء مهمة «اليونيفيل»، وسط تقديرات تتحدث عن جس نبض صيني حول إمكان المشاركة في قوة دولية جديدة، في حال تم التوصل إلى صيغة بديلة للانتشار الدولي في الجنوب.


تفعيل الاطار


وعلى الخط اللبناني - الاميركي، ابلغ رئيس الجمهورية عضوي الكونغرس الأميركي دارين لحود وجوش غوتهايمر وأعضاء الوفد المرافق، الذين زاروا عين التينة ايضا، خلال استقبالهم، «ان لبنان يعلق أهمية كبيرة على الولايات المتحدة الاميركية للضغط على إسرائيل لالزامها تنفيذ «اتفاق الاطار»، في وقت اكد فيه المطلعون على أجواء العاصمة الأميركية أن الاميركيين يطالبون الجانب اللبناني بآلية واضحة لعملية تفتيش الممتلكات الخاصة، باعتبار أن هذه المسألة باتت تشكل عقدة أساسية في أي ترتيبات ميدانية مقبلة، وأن تجاوزها قبل التوصل إلى تفاهم عملي حولها قد يعرقل الانتقال إلى مراحل جديدة من الترتيبات الأمنية بما فيها المناطق التجريبية.

وتشير المعطيات الى ان النقاش لم يعد يتركز فقط على تحديد المناطق التي يمكن إدراجها ضمن أي مرحلة تجريبية جديدة، بل انتقل إلى التفاصيل التنفيذية المتعلقة بكيفية تطبيق الإجراءات داخلها، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالمنازل والأملاك الخاصة، والجهة التي ستتولى عمليات التفتيش، وطبيعة التفويض الممنوح لها، وآلية التعامل مع اعتراضات السكان أو رفضهم الدخول إلى ممتلكاتهم، بعدما اثبتت المرحلة الاولى فشلها، في وقت تحرص فيه اليرزة على عدم تحويل أي آلية تفتيش إلى مصدر احتكاك مباشر مع الأهالي أو إلى مسار يتجاوز دور المؤسسات اللبنانية وصلاحياتها.


سلام في واشنطن


وبعد اجتماعه بوزير الخارجية الاميركية ماركو روبيو، التقى رئيس الحكومة وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في مقر وزارة الخزانة الأميركية في واشنطن، في حضور وزير المالية ياسين جابر، وسفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة الأميركية ندى حمادة معوض. تم خلال اللقاء البحث في العلاقات الاقتصادية والمالية بين لبنان والولايات المتحدة، وعرض الرئيس سلام التقدم الذي أحرزته الحكومة في مسار الإصلاحات المالية والمصرفية، والخطوات التي تعمل على استكمالها لمعالجة تداعيات الأزمة المالية وإعادة بناء القطاع المصرفي. كما تم البحث في مسار المفاوضات مع صندوق النقد الدولي والتعاون مع البنك الدولي، وطلب الرئيس سلام دعم الولايات المتحدة لجهود لبنان في التقدم في هذين المسارين وتأمين الدعم اللازم لبرنامج الإصلاح والتعافي الاقتصادي. كذلك تم البحث في جهود الحكومة لمكافحة الاقتصاد النقدي والحد من استخدام النقد خارج النظام المالي، وتعزيز الشفافية والامتثال ومكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، بما يساهم في إعادة بناء الثقة بالقطاع المالي اللبناني وتعزيز اندماجه في النظام المالي الدولي.

كما عقد سلام اجتماعا مع رئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا ورئيس مؤسسة التمويل الدولية (IFC) مختار ديوب، في مقر البنك الدولي في واشنطن، لبحث مسار التعاون بين لبنان والمجموعة وسبل توسيعه بما يواكب أولويات الحكومة في الإصلاح والتعافي وإعادة الإعمار.

وكانت السفارة اللبنانية اقامت عشاء تكريمًا لسلام، شارك فيه الموفد السعودي الخاص الى لبنان الامير يزيد بن فرحان، والسفير الاماراتي في واشنطن، وعدد من السفراء العرب، ومستشار الرئيس ترامب سيباستيان غوركا، ومسؤولون من الامن القومي، ومستشار وزير الخارجية دان هولر الى جانب مسؤولين رفيعين في البيت الابيض ووزارات الخارجية والخزانة والتجارة.


مسكنات حكومية


ليس بعيدا، رات أوساط اقتصادية أن الإجراءات والتدابير الاجتماعية التي يجري الحديث عنها ليست سوى مسكنات ستتآكل نتائجها سريعا، ولن تكون قادرة على معالجة أصل المشكلة، في ظل استمرار الارتفاع في كلفة الطاقة وانعكاساته المباشرة على أسعار السلع والخدمات والنقل والإنتاج، معتبرة أن أي مقاربة اقتصادية تكتفي بتقديم مساعدات اجتماعية محدودة، من دون معالجة كلفة التشغيل والإنتاج، ستبقي الاقتصاد في دائرة المعالجة المؤقتة للأعراض، فيما تتفاقم أسباب الأزمة الأساسية.

واشارت الاوساط الى أن المطلوب من الدولة الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة اقتصادية أكثر مباشرة، عبر إعادة النظر في الضرائب والرسوم المفروضة على الطاقة، وتقديم حوافز مؤقتة وموجهة للقطاعات الأكثر تضررا، بما يسمح بامتصاص جزء من الصدمة من دون تحويل الدعم إلى إنفاق دائم، وهو ما دعا اليه وزير الطاقة جو الصدّي، الذي طلب إلغاء رسم الـ300 ألف ليرة على صفيحة البنزين، رغم ان السؤال يبقى حينئذ، من أين وكيف ستُدفع الزيادة على رواتب موظفي القطاع العام والعسكريين؟

وحذرت الأوساط من أن تجاهل هذا المسار سيجعل الإجراءات الاجتماعية أشبه بالمسكنات، مؤكدة أن التجارب الدولية أظهرت أن مواجهة صدمات الطاقة تحتاج إلى حزمة متكاملة تجمع بين الحماية الاجتماعية، وتخفيف كلفة الإنتاج، وتحفيز القطاعات الحيوية، بالتوازي مع إصلاحات مالية واقتصادية تمنع انتقال كلفة الأزمة بالكامل إلى المواطن والاقتصاد.


اضراب لا اضراب


معيشيا، ظهر تباين بين القطاعات حول مصير الاضراب العام المقرر اليوم، مع خروج الاتحاد العمالي العام من صفوف المعترضين والداعين الى التحركات والاضرابات، حيث تحدثت مصادر نقابية عن تدخلات وضغوط سياسية وأمنية كبيرة تُمارس على بعض النقابات القطاعية الوازنة، بهدف ثنيها عن المشاركة في أي تحركات مطلبية أو الدعوة إليها، في وقت تتزايد فيه الضغوط المعيشية والاقتصادية على مختلف الفئات العمالية، كاشفة ان رسائل وصلت إلى عدد من الهيئات النقابية تتراوح بين التحذير من تداعيات النزول إلى الشارع، والدعوة إلى ضبط سقف المطالب، وصولا إلى التحذير من إمكان توظيف أي تحرك في صراعات سياسية تتجاوز العناوين الاجتماعية المعلنة.

وبحسب المصادر، فإن بعض الجهات السياسية والأمنية تتعامل مع التحركات النقابية المحتملة باعتبارها ملفا يتصل بالاستقرار العام، في ظل هشاشة الوضع الاقتصادي والاجتماعي، والخشية من أن تتحول المطالب المعيشية إلى نقطة تجمع لقوى سياسية متعددة، بما قد يفتح الباب أمام توسع الاحتجاجات جغرافيًا وقطاعيا، وخروجها عن قدرة الجهات المنظمة على ضبط مسارها، مشيرة إلى أن هذه الهواجس تستعيد إلى الذاكرة محطات سابقة شهد فيها الشارع اللبناني تحركات واسعة تداخلت فيها المطالب الاجتماعية مع التجاذبات السياسية، ولا سيما عامي 1993 و2008، حين اكتسبت التحركات العمالية والنقابية أبعادا سياسية وأمنية أوسع من عناوينها الأساسية.

وحذرت المصادر من أن استمرار الضغوط على النقابات قد يؤدي، في المقابل، إلى نتيجة عكسية، عبر دفع بعض الفئات إلى التحرك بصورة أقل تنظيمًا وأكثر عفوية، بما يصعّب احتواء التداعيات، كما حصل خلال ثورة 2019، داعية إلى فصل المطالب النقابية عن التجاذبات السياسية، وفتح قنوات تفاوض جدية مع الهيئات العمالية، قبل أن تتحول الضغوط الاجتماعية المتراكمة إلى أزمة شارع يصعب التحكم بإيقاعها.

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration