ميشال عون الظاهرة المميزة 28
بعد أربعة اشهر على انتخاب رئيس للجمهورية
اتفاق الطائف أشعل حرب الشرقية
وحاصر العماد عون حتى 13 تشرين

ملف من اعداد:
مي عبود
هيام شحود
تريز القسيس
ندوى سويد
باتريسيا صوما
محمد خليل السباعي
منصور عون
انطوان شعبان
اكرم خوري
جهاد داود

شخصية "شرقية" عايشت هذه المرحلة روت لـ"الديار" وقائعها كما يلي:
بعد مرور خمسة اشهر على نهاية حرب التحرير واربعة اشهر على توقيع اتفاق الطائف وانتخاب الرئيس الشهيد رينيه معوض، ثم الرئيس الهراوي، الذي اعطى العماد عون مهلة 48 ساعة ليعترف بالطائف او يرحل، بدا واضحا ان جميع الجهود التي بذلت لايجاد حل ما قد باءت بالفشل. فالعماد عون ظل على موقفه الرافض الذي استفتى الشعب حوله فيما "فريق الطائف" ظل مصرا على رفض اي تعديل او تجميل او تحسين له، ولم يقبل حتى بـ"الفاصلة" التي اقترحها الجنرال والتي تعني تجميده وتأليف حكومة وفاق وطني تشرف على انتخاب مجلس نيابي جديد يعيد النظر به رفضا او قبولا او تعديلا..
وفيما كانت الحركة الشعبية تتعاظم وتحتدم تأييدا للعماد عون ضد اتفاق الطائف، بدأت ملامح التوتر العسكري تلوح في افق المنطقة الشرقية، حيث انطلقت شرارتها الاولى في 30 كانون الثاني 1990 واشعلت اشرس المعارك بين الجيش و"القوات". هذه الحرب التي اسمتها "القوات" "حرب الالغاء" واسماها العماد عون، حرب "توحيد البندقية" كانت في الواقع حرب الطائف.
بزرت بذور الشقاق بين الجيش و"القوات" منذ الصدام العسكري بين الطرفين في 14 شباط 1989 والذي شكل ضربة قاسية لـ"القوات". لكن نتائج حرب التحرير واتفاق الطائف وما ترتب عليهما وسعا الخلاف. فالعماد عون رفض اتفاق الطائف فور تبلغه ايصاه من الموفد العربي السيد الاخضر الابراهيمي ودعا الشعب في اليوم التالي الى التعبير عن تأييده لموقفه بالتظاهر، والا فانه سيتنحى، فغرقت الشرقية في بحر بشري من التظاهرات التي لم يشهد لبنان لها مثيلا، والتي توجهت، غير عابئة بالبحر او بالمطروبالبرد. الى "بيت الشعب" في بعبدا، معربة عن ولائها للجنرال. وفي المقابل لم تعلن "القوات" تأييدها لاتفاق الطائف، لكنها بدأت بمعارضة العماد عون منذ الانتخابات الرئاسية وتشكيل الحكومة.
رفض العماد عون لاتفاق الطائف وصمت "القوات" نقلا الصراع الذي كان بين المنطقتين الشرقية والغربية الى داخل المنطقة الشرقية. وبدأ العماد عون يمارس ضغطا اعلاميا على "القوات" لكي تعلن موقفا واضحا وصريحا من اتفاق الطائف، لكن ذلك لم يحصل. ثم اتت حادثة "مدرسة قمر" التي فشلت معالجتها سلميا مما ادى الى نشوب الحرب التي خلقت واقعا جديدا في المنطقة.
واهتز التوافق العسكري في الشرقية والذي كان ميزة مستقلة منذ سنوات، اعتبارا من اوائل 1990، على رغم مواقف كل من العماد عون والدكتور جعجع الثابتة والنهائية في تجنب اي شرارة.
الثلثاء 30 كانون الثاني 1990، الواحدة والنصف بعد الظهر، سمع اهالي المتن الجنوبي وبعض المتن الشمالي اصوات رمايات رشاشة وقذائف صاروخية وشعروا بتحركات عسكرية في مختلف المناطق. وكان الحادث – الشرارة وقع بين وحدة من الجيش وعناصر من "الدفاع الشعبي" عندما حاولت وحدة من الجيش اخلاء المدرسة.
اصطدمت عناصر الجيش بعناصر "القوات" فجرى اطلاق نار ادى على الاثر الى توتر شديد في المنطقة وظهور مسلح شمل منطقتي فرن الشباك والتحويطة ومحيطهما.
واقام الجيش حواجز في المنطقة الممتدة من مدخل فرن الشباك الشرقي الى محلة الشيفروليه، وعمد الى تحويل السير الى مناطق سن الفيل والمكلس وجسر الباشا والجسر الواطي.
واعتبارا من الثالثة الا ربعا توقف اطلاق النار على اثر دخول الجيش الى مدرسة قمر ومحيطها وفتحت الطريق.
ومع حادثة مدرسة قمر برز اعلاميا الصراع المستتر بين الجيش و"القوات" اذ اعلنت مصادر الجيش ان وحدة منه تعرضت لاطلاق نار في منطقة تحويطة فرن الشباك فيما كانت تهتم بتسلم مبنى المدرسة، حيث اتخذت وزارة الاعلام قبل مدة قرارا بتحويله مركزا للوزارة، لتعذر مداومة الموظفين في مقر الوزارة في بيروت الغربية وقررت، تاليا، اجراء اصلاحات فيه. ووصلت وحدة الجيش الى المبنى المذكور وتعرضت لاطلاق نار من عناصر مسلحة فردت على مصادرها، وقطعت الطرق المؤدية الى مكان الحادث، وبوشرت اتصالات لمعرفة اسباب اطلاق النار.
اما مصادر "القوات" فقالت ان مبنى المدرسة ليس ثكنة بالمعنى العسكري للكلمة انما هو مكاتب تابعة لـ"قوات الدفاع الشعبي" المؤلفة من عناصر احتياط ومدنيين، كما ان المبنى كان مقفلا صباحا عمدما دخله عسكريون. وبعد الظهر فوجئ عدد من عناصر "الدفاع الشعبي" التي تدوام بعد الظهر، بوجود العسكريين واستفسرت عن الامر فكان الجواب ان هناك اوامر من القيادة بدخول المبنتى وعلى الاثر حصل تلاسن واطلاق رصاص، واتصلت العناصر بغرفة عمليات "القوات" التي اتصلت بدورها بغرفة عمليات الجيش وطوق الحادث.
وفي اليوم التالي فوجئ المواطنون في الشرقية بالمنحى التصعيدي الذي اتخذته الاحداث في المنطقة وبدأت المعارك رسميا بين الطرفين؟
نجحت "القوات" في ايام المواجهة الاولى من احداث صدمة عسكرية في صفوف الجيش، بعد استيلائها على بعض الثكن العسكرية في منطقة كسروان وجبيل، وفوجئ العماد عون باغنه لا يستطيع السيطرة على ثكن "القوات" بقوى الاحتياط فاضطر الى سحب بعض القوى المرابطة على الجبهات، وضمها الى قوى الاحتياط، ثم انطلق من بيروت على طريق الساحل شمالا حتى ضبيه، متخليا عن خطته الاولى الهادفة الى احتلال مقر قيادة "القوات" في الكرنتينا او اسقاط عين الرمانة او الاشرفية المحاصرتين.
وكان سقوط ضبيه وثكناتها الانتصار الذي لا بد منه للتوصل الى وقف نار مرحلي والى اطلاق عجلة الاتصالات السياسية التي قامت بها لجنة الوساطة التي تألفت من المحامي شاكر ابو سليمان والاباتي بولس نعمان والمطران خليل ابي نادر والمحامي جورج عدوان. وقد ساعد لجنة الوساطة السفير البابوي بابلو بوانتي والبطريركية المارونية على تطبيق الهدنة.
اتفاق لا غالب ولا مغلوب
وبعد تفاقم الوضع العسكري واستحالة التوصل الى هدنة، وعلى رغم ضراوة المعارك التي دارت ما بين 31 كانون الثاني ومنتصف شباط، تمكن المونسنيور بوانتي من فرض الهدنة الاولى وافساح المجال امام لجنة الوساطة للمضي في وساطتها حتى حصلت من الطرفين على اتفاق على قاعدة لا غالب ولا مغلوب. والاتفاق الاولي الذي وضع كنقطة انطلاق لاتفاق سياسي وامني شامل في الشرفية في نظر لجنة الوساطة ينطوي على اشارة واضحة الى عدم الغاء "القوات" او دورها، لكنه يحصر وجودها ودورها في العمل العسكري بالذود عن الوطن، واذا كان العماد عون قد قبل بهذا البند فلانه يعتبر على حد قوله انه لا يريد اصلا الغاء "القوات" بل تصحيح موقع دورها العسكري، كما ان قبول الدكتور جعجع به كان على اساس انه يكرس وجود "القوات" ودورها ويلغي طلب الغائها نهائيا سواء كان موجودا على الورق في النيات.
واشار الاتفاق الى اتفاق الطائف دون تسميته، عندما اشار الى رفض كل اتفاق يخل بالسيادة اللبنانية وبتوازن السلطات، وهذا مطلب اساسي للعماد عون من "القوات"، بينما الدكتور جعجع، قبل بهذا البند لانه لا يسمي الطائف بالاسم ويحافظ على وجهة نظر "القوات" في ذلك الوقت، بعدم المجاهرة لا بقبول الطائف ولا برفضه.
ونص الاتفاق على وجود مرجعية سياسية برئاسة العماد عون، وهو مطلب لا يسجل تراجعا بالنسبة للدكتور جعجع، غير ان العقدة بقيت في تحديد القوى السياسية التي ستضمها هذه المرجعية.
ولكن الاتفاق بقي حبرا على ورق ولم يكن اكثر من مسكّن للحرب التي عادت واشتعلت بشكل ضار حاصدة المئات من الضحايا ومهدمة المنازل والمؤسسات والبنى التحتية.
القليعات
والجبهة الجديدة التي استحدثت كانت جبهة داريا – القليعات حيث الخط الفاصل بين منطقة نفوذ العماد عون وهي المتن ومنطقة نفوذ "القوات" وهي كسروان. وطريق داريا – القليعات، كانت الطريق الوحيدة التي بقيت مفتوحة وصلة الوصل بين المتن وكسروان وسلكها مئات المواطنين الذين احتجزتهم المعارك خارج منازلهم او مناطقهم قبل ان تقفل نهائيا.
عين الرمانة
وبعد معارك القليعات، ادى الهجوم على منطقة عين الرمانة "معقل القوات" الى سقوطها، وتوضحت بعد يومين من المعارك الضارية، خريطة المواقع في محاور بيروت، وسيطر الجيش نهائيا على منطقة عين الرمانة بعد انسحاب عناصر "القوات" منها عبر منطقة الشياح الى الكرنتينا.
ادما
"ادما مقابل عين الرمانة". سقوط منطقة عين الرمانة كان يعني حتما دخول "القوات" الى قاعدة ادما التي كانت محاصرة منذ بدء العمليات العسكرية تلك كانت المعادلة على رغم تأكيدات المسؤولين السياسيين لدى الطرفين.
يوم كامل من العمليات العسكرية العنيفة والضارية، ثم اتفاق لوقف النار بين الطرفين تبعه عملية اخلاء للعسكريين مع كامل عتادهم من قاعدة ادما عبر طريق كفرحباب – يسوع الملك وصولا الى القليعات – داريا – بكفيا.
تجدد الحديث عن انشاء مرجعية سياسية في الشرقية، بعد ايام على نجاح تنفيذ عملية اخلاء وحدات الجيش من قاعدة ادما الجوية. وعادت مساعي السلام الى الواجهة لكنها اصطدمت لاحقا بموقفي كل من العماد عون والدكتور جعجع، اذ ما زال الدكتور جعجع يرفض تحديد موقفه من اتفاق الطائف فيما العماد يصر عليه لاعلان موقفه.
وتصاعدت الاجواء العسكرية ودارت معارك عنيفة وضارية على محاور الشرقية المستحدثة، وخصوصا على محور سن الفيل – الصالومي، لم تتوقف الا بعد الاتفاق على وقف نهائي وشامل لاطلاق النار، توسطت فيه قوى روحية وسياسية داخلية وجبهات خارجية.
لكن مع نهاية شهر اذار 1990 بدأت رياح العاصفة العسكرية تصفر بعد ان اخفقت جهود لجنة الوساطة في تحقيق المصالحة بين رجلي الشرقية.
في 22 ايار 1990 ومع عودة السفير البابوي بوانتي من ايطاليا اثمرت المساعي والاتصالات وقفا ثابتا لاطلاق النار في المنطقة الشرقية من دون ان يم اي اتفاق سياسي بين الطرفين.
وفي 11 تموز اصدر مجلس الوزراء بيانا دعا فيه العماد عون الى انهاء "تمرده" والدكتور جعجع لتسليم ثكن الجيش في مناطقه للشرعية، فرفض العماد عون ذلك فيما قبل الدكتور جعجع مما ادى الى فرض حصار بري وجوي وبحري على مناطق نفوذ العماد عون. وقد جاء هذا الحصار استكمالا للحصار الذي كان قائما منذ بدء حرب التحرير، لكن مفاعيله كانت اشد قسوة وضررا على قدرة الجيش في المناطق المحاصرة على الصمود بعدما دمرت "القوات" قواه البحرية التي كان يستعملها لاختراق الحصار ابان "حرب التحرير" وادخال بعض ما يحتاجه من معدات حربية ومواد تموينية ضرورية لصمود الشعب. اضافة الى ذلك، فان الحصار هذه المرة كان شديدا الى درجة لا يمكن معها اختراق "الحدود" البرية بين المناطق، كما شانه كان شاملا حتى المناطق الشرقية، بحيث اصبحت مناطق المتنين في عزلة تامة عن باقي المناطق اللبنانية.
واستمر هذا الحصار في تصاعد حتى الثالث عشر من تشرين.
(يتبع)


عون والاعلام
قولوا كل شيء وإلا.. أقوله أنا!

يقول احد الاعلاميين الذين عملوا مع الجنرال عون "ان افضل وسيلة اعلامية كان يمتلكها الجنرال هي الجنرال نفسه". فقد كان نهرا اعلاميا دافقا بحيث شغل وسائل الاعلام المؤيدة والمعارضة، المحلية والخارجية على السواء. اي انه كان مادة اعلامية خصبة ودائمة التدفق، ولم يكن الاعلاميون الذين عملوا معه بحاجة الى كثير عناء لتسويق مواقفه.
اضافة الى ذلك كان للعماد سياسة اعلامية واضحة، ولم يكن يتردد في التقاط سماعة الهاتف والاتصال مباشرة بالاذاعة او التلفزيون او اي صحيفة، سواء كانت مؤيدة او مناهضة له. والعماد لمن يكن يعمل اعلاميا بهدف مضمر. فهو طالما اكد لنا انه لا يعمل لرئاسة الجمهورية او لاي منصب آخر. وهو لا يريد ان يخبئ اي شيء عن الشعب، بل يريدنا ان نقول كل شيء. وعندما كنا نحاول التحفظ او نقصر في كشف الحقائق كان يطلع بمؤتمر صحافي مباشر يقول فيه كل ما عنده.
واشار المصدر الى ان بداية اطلالة العماد على الصحافة كانت حادة بعض الشيء نظرا للشخصية العسكرية الصريحة والمباشرة التي يتمتع بها. ثم سرعان ما اكتشف انه بحاجة الى تليين اسلوب تعاطيه مع الصحافيين ففعل. وكلمة حق تقال في هذا المجال ان العماد كان يتقبل ملاحظات الزملاء الصحفيين برحابة صدر، ويأخذ نصائحهم له بكثير من الاهتمام. ثم ما لبثت ان قامت علاقة صداقة ومحبة بينه وبين العديد من الصحفيين الذين كانوا يحتكون به او يترددون على قصر بعبدا.
اما عندما كان احد مساعديه يشكو من مواقف صحفية معينة فكان يقول: "هناك قوانين. احيلوا الصحيفة على القضاء".
وعندما حاول احد المسؤولين مصادرة صحيفة "الديار" ومنع توزريعها في 12 تشرين الاول 1990، ثارت ثائرة الجنرال وصرخ بوجه المسؤول "ان وقف جريدة هو قرار سياسي خطير، وانا لم اخوّل احدا اتخاذ مثل هذا القرار نيابة عني", وبالفعل افرج عن الجريدة فورا.
وفي كانون الثاني 1990 كتب شارل ايوب افتتاحية عنوانها "بكل احترام... لن نلتزم"، وذلك ردا على قرار وزارة الاعلام الذي صدر في حينه، احيلت "الديار" فعلا الى القضاء، لكن الجنرال ارفق هذه الاحالة بأن اوعز لاحد مسؤوليه الاعلاميين بالاتصال بالمراجع المعنية وافهامها ان الجنرال لا "يريد رأس الديار" وهكذا كان.

تحليل
سوريا والمقاطعون وحسابات المرحلة
تحقيق الأهم وتفادي الحساسيّات

بمقدار ما تقترب حرب الخليج من نهايتها بمقدار ما يقترب الوضع اللبناني من متغيرات تضعه على مفترقات فاصلة بين مرحلة ما قبل حرب الخليج ومرحلة ما بعدها، على رغم كل المواقف و"التطمينات" الصادرة عن مسؤولين وقياديين من ان الوضع لن يتغير في لبنان مهما تغيرت الاحوال في المنطقة ومهما عصفت التقلبات بالمحيط الاقليمي للبنان.
والخواتيم التي ستبلغها حرب الخليج في مدة لن تطول عسكريا وربما طالت سياسيا، ستنعكس عدا عكسيا للنقاط العالقة على جدول التنفيذ العملي والميداني للشرعية اللبنانية واهم هذه النقاط مسألة التعيينات النيابية وحل الميليشيات وبت مسألة المقاطعة او العودة عنها او الاستقالة من الحكومة.
اتجاهان سوري وقواتي
ولقد بات واضحا في المسألة الاخيرة اي المقاطعة "الثلاثية" المسيحية للحكومة، ان هناك اتجاهين:
1- اتجاه مسيحي لان يعود الوزيران سعاده وساسين الى الصفوف الحكومية ولو من باب تسيير امور وزارتيهما والاهتمام بالشأن الحياتي، والمعيشي بغض النظر عن الموقف السياسي وذلك من دون انضمام قائد "القوات اللبنانية" الوزير الدكتور سمير جعجع شكلا ومضمونا واهدافا، ولن يعود عنها قبل الاتفاق على جملة تصورات مقبولة كمخارج للوضع الراهن وهذه التصورات باتت معلومة لدى اكثر من جهة.
2- الاتجاه الثاني سوري يستبعد اي اتصال مباشر و"رسمي" مع قيادة القوات كشخصية وزارية وحكومية قبل الانضمام الى الحكومة، ليصار الى بحث المواضيع من داخلها مع العلم ان الاتصالات المباشرة وغير المباشرة مفتوحة بين الجانبين، الا انها لم تتخذ بعد اتجاه التطبيع الذي ترى سوريا ان تحقيقه يكون من داخل الحكومة، اي بعد قبول القوات بهذه الحكومة ورفع كل التحفظات والموانع عنها، والتسليم بالتالي بتركيبة الحكومة وشكلها ومضمونها والاهجاف التي ستتحقق من خلالها، وان غلفت سوريا القبول بالبحث في هذه المواضيع بالقول عبر حلفائها ان ذلك يتم داخل الحكومة وليس خارجها.
تساهل في الشكل؟
اي من الاتجاهين ستسلكه التطورات المقبلة؟
لا محيد عن القول ان اي مسألة جدية لا يمكن ان تطرح خارج اطار التفاهم الكامل بين الشرعية والفاعليات الاساسية على الارض، وبين هذه الفاعليات وبين سوريا، اي ان الوضعية الحكومية تتوقف على مدى تحسن العلاقة بين سوريا والقوات. فسوريا لا يمكنها التسليم بمطالب القوات لكن هذا لا يمنعها من ابداء المرونة، على ان تبقى متشددة في الجوهر فهي مع بحث المطالب داخل الحكومة لا خارجها، والا فان الخيارات التي بدأت تطرحها عبر حلفائها هي اما الالتحاق واما الطلاق. وبحث المطالب داخل الحكومة لا يمنع استبعاد فكرة القبول بتحفظات المقاطعين واعتراضاتهم، والاهم انها تريد التحاقهم لانها تعلم ان وجودهم الاقوى ضروري ويوازي الاكثرية التي يضعونها في مواجهة هذه "الترويكا" المقاطعة وان كان ذلك غير معلن حتى الساعة لا بل في المقابل تلويح باستقدام بدائل وزارية جديدة او الانتقال الى تطبيق خطوة جديدة ادارية او سياسية حساسة.
ولان الوضع اللبناني مرتبط بالتطورات الخارجية التي لها انعكاساتها على كل الدول العربية وخصوصا تلك المعنية بالصراع مع اسرائيل، فمن الطبيعي ان تكون سوريا احدى اهم الدول التي ستتلقى الانعكاسات، ويندرج في هذا الاطار عملها الدائم لامساك الوضع اللبناني من كل جوانبه المتعلقة مباشرة بمستقبل العلاقة مع سوريا، وكل الخطوات المتصلة بهذه العلاقة. ويمكن على هامش هذه الخطوات تأجيل البحث في تنفيذ بعض الخطوات التي تؤدي الى زيادة الحساسيات على الساحة الداخلية وتحافظ بالتالي على استقرار معين لدى كل المجموعات بانتظار جلاء الاوضاع في المنطقة، قبل ان يصار الى تنفيذ بقية الخطوات على ضوئها وبعدما تكون صورة النظام الجديد المحكي عنه قد تبلورت.
اهتمام اميركي – فرنسي
الخطوات العاجلة قد تبدأ بالتعيينات النيابية والعلاقة بين سوريا ولبنان، اما الخطوات التي تنتظر التأجيل والبحث اللاحق فهي حل الميليشيات التي تكون اصبحت في وضع لا يمكنها من المناورة اكثر اذا ما تم الامر لسوريا واقفلت كل الثغرات المحيطة بالوضع اللبناني وخصوصا مفاعيل حرب الخليج. وتوضح صورة واقع الاهتمام الدولي بلبنان وخصوصا الاميركي بدرجة اولى والفرنسي بدرجة ثانية من دون اغفال القاسم المشترك بين الموقفين الاميركي والفرنسي والذي يقول بضرورة ايجاد حل للقضية اللبنانية والازمة الفلسطينية بعد انتهاء حرب الخليج.
ويمكن القول ان الاجواء بدأت تأخذ منحى اكثر ايجابية من ذي قبل. واذا ما قرر الحكم التعامل مع مطالب المقاطعين بروحية التفاهم والتساوي والعزوف عن سياسة "كيفما اتفق" ولغايات تهدف الى احراج معارضي هذه الحكومة، تمهيدا لاخراجهم، فان المؤشرات التي ظهرت على الارض ف الايام الاخيرة قد تكون كافية لتأسيس ارضية حوار مقبولة وهذا مطلب الفاعليات المقاطعة اليت ترى انها واجهت اكثر من امتحان لمصداقيتها ونجحت فيه ويريدونها ان تنجح كذلك في امتحان الرد على السلبية بالسلبية او ان تكون المبادرة الى اتخاذ دعسات ناقصة.
تدشين النظام الجيد
في اية حال فان الفريقين المعنيين باللعبة الحكومية اي القوات وسوريا يبدوان في موقع ابداء المرونة في هذه المرحلة وان كان لكل منهما افتراضاته ومواقفه وحساباته الخاصة للخطوة والوضع مرشح لتحسن جديد الا اذا دخل عامل جديد على الوضع الخليجي الذي بدأت معالم النظام الجديد تظهر حتى قبل ان تضع الحرب اوزارها من خلال اللهجة الواضحة الحزم التي يبديها الرئيس الاميركي بعدما بدأ الانسحاب العراقي فعليا، وبالمقابل فان اللهجة الاميركية تخطت مع بوش التصرف كمنتصر اللاى استنزاف العراق وضربه في العمق.
جورج ياسمين

باريس لبيروت: مغادرة عون
مقابل اطلاق المساعدات الفرنسية

قضية العماد ميشال عون اللاجئ الى السفارة الفرنسية منذ 13 تشرين الاول والذي منحته باريس حق اللجوء السياسي الى فرنسا "وضعت على نار خفيفة" في ضوء المحادثات التي اجراها وزير الخارجية والمغتربين السيد فارس بويز اخيرا في العاصمة الفرنسية.
وهذه القضية التي وضع القضاء اللبناني يده عليها بعدما ساق مجلس الوزراء سلسلة اتهامات ضد عون ابرزها "اغتصابه" للسلطة "وتمرده" عليها و"اختلاسه" اموالا عامة اودعها باسمه في مصارف لبنان والخارج. يبدو ان مخارج ستؤمن لها بما لا يؤثر على مسار الاوضاع في الاتجاه الايجابي خصوصا ان الوزير بويز اسر لعدد من اركان الحكم ولبعض المقربين منه بانها وضعت فعلا على نار خفيفة لايجاد المخرج المناسب لها.
وفي المعلومات ان الجانب الفرنسي كان ينتظر ان يسمح لعون بالمغادرة الى باريس اثناء وجود الوزير بويز فيها. لكن الحكم اللبناني لم يشأ الاقدام على خطوة من هذا النوع لئلا تفسر على انها تنازل من قبله امام باريس، لئلا يسيء الى القضاء اللبناني الذي وضع يده على القضية لجلاء كل ملابساتها واتخاذ الحكم المناسب في شأنها. وكان ان رد الوزير بويز على الرغبة الفرنسية بالسماح لقعون بالمغادرة ان هذا الامر يقرره مجلس الوزراء مجتمعا.
الا ان الحكم اللبناني اوحى لباريس مداورة بانه يرغب في التجاوب مع رغبتها في مغادرة عون، فنشر في بعض الصحف جدول اعمال مجلس الوزراء اثناء وجود بويز في باريس واحد بنوده مشروع مرسوم يرمي الى وضع 72 ضابطا في الجيش وفي مقدمهم العماد عون في تصرف وزير الدفاع الذي اعتبره سياسيون لبنانيون والجانب الفرنسي بمثابة تحضير لمخرج لقضية عون، بحيث يمكن ان يسمح له وزير الدفاع بعد اقرار مشروع المرسوم في مجلس الوزراء بالمغادرة الى باريس بعدما يكون اصبح تحت تصرفه، علما ان من صلاحيات وزير الدفاع في الوقت نفسه ان يسمح الى القضاء اذا شاء.
لكن يبدو ان الحكم اللبناني لا يريد ان "يكبر" هذه القضية، اذ ان ما ابلغه الجانب الفرنسي من رغبة في حلها اعتبره الحكم بانه موقف يحاول ان يقايض المساعدات الفرنسية للبنان بهذه القضية، وان كان الرئيس فرنسوا ميتران حريصا امام الوزير بويز على التأكيد ان قضية عون لن تقف حجر عثرة امام العلاقات اللبنانية – الفرنسية وان باريس بين هاتين المسألتين، واكد ايضا ان فرنسا ستطبق عليه ايضا القوانين نفسها التي ستطبقها على لاجئين سياسيين بارزين اليها والذين لا يمارسون اي نشاط سياسي بناء على طلب حكومات بلادهم.
واذا كان الرئيس ميتران ابدى كل هذا الحرص فانه في المقابل برر الاهتمام الفرنسي بقضية عون بما كان اعلنه لدى حصول عملية 13 تشرين الاول من ان هذه القضية هي "قضية شرف" بالنسبة الى فرنسا وانها انطلاقا من ذلك ترغب ان يسمح له بان يغادر السفارة الفرنسية في بيروت الى باريس وهي ليست في وارد الاستفادة سياسيا من هذا الموضوع.
وغالب الظن لدى بعض المطلعين على قضية العماد عون ان اتصالات ستنشط الاسبوع المقبل ومحورها المقر الرئاسي ورئاسة الحكومة ووزارة الخارجية والمغتربين والسفارة الفرنسية في بيروت للاتفاق على صيغة الحل لقضية عون وقد يكون لباريس وللحكم اللبناني اتصالات في هذا الصدد مع القيادة السورية.
هشام الربيعي