ينتظر تشكيل الحكومة الجديدة موقف الثنائي الشيعي العملي من مبادرة رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري التي اقترحت أن «تكون وزارة المالية بعهدة الطائفة الشيعية، لمرة واحدة»، وتبنّاها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لإنجاح المبادرة الفرنسية. علماً بأنّ المعلومات أكّدت أنّها سبق وأن عُرضت عليهما ورفضاها كون الأسماء الشيعية التي سّمتها أتت تصادمية بدلاً من أن تكون محسوبة عليهما، أو على الأقلّ مقرّبة منهما. أمّا الجديد في هذه المبادرة فعبارة أنّها ستُعتمد «لمرّة واحدة» وأنّها اتت من قبل الحريري الذي وصف تنازله فيها بأنّه «كمّن يتجرّع السمّ من أجل مصلحة لبنان».

مصدر سياسي مواكب يجد بأنّ خطوة الحريري إيجابية، وقد تلقّفها الثنائي الشيعي بإيجابية أيضاً، وهي تؤسّس للتضامن الحكومي المطلوب، وللتوافق على تشكيل الحكومة الجديدة قريباً. كما أنّها تُظهر تفهّم الحريري لموقف الرئيس برّي، وإن كانت عبارة «لمرّة واحدة» التي أُرفقت بالإقتراح تحتاج الى تفسير سيما وأنّ الثنائي الشيعي لا يتقبّلها مطلقاً، وأنّ العقدة نفسها ستبقى قائمة أثناء تشكيل الحكومات اللاحقة كونها ستُعتمد في الحكومة المنتظرة فقط. إلاّ إذا كان هدف «حكومة المهمّة» التي ينتظر الجميع تشكيلها في أسرع وقت ممكن هو الوصول بالبلاد الى «الدولة المدنيّة» التي لا تتقيّد بطبيعة الحال بالمحاصصة ولا بالتوزيع الطائفي.

وفيما يتعلّق «بجرعة السمّ» التي أراد الحريري تناولها بعيداً عن موافقة منتدى رؤساء الحكومات السابقين، قال بأنّه لن يُعرّض الحريري للخروج من هذا المنتدى، بل سيُحتّم عليه لاحقاً إقناعهم بموقفه في حال أدّى في نهاية الأمر الى تسهيل تشكيل الحكومة الجديدة. علماً بأنّ ما طرحه هو «تحصيل حاصل» كون الطائفة السنيّة سبق وأن اقترحت ثلاثة أسماء للتكليف وقامت الكتل النيابية بتسمية مصطفى أديب، ومن ضمنها كتلتي الثنائي الشيعي.

ولا يرى بأنّه سيكون هناك مشكلة حول مسألة من سيُسمّي وزير المالية الشيعي، وإن كان الثنائي الشيعي يصرّ على أن تتمّ التسمية بينهما وبين الرئيس المكلّف. فثمّة مرونة، على ما يبدو، من قبل الطرفين إذ سيضع الثنائي الشيعي لوائح تتضمّن أسماء شخصيات شيعية عدّة مناسبة لتولّي وزارة المالية والوزارات الأخرى التي ستُعطى للشيعة، ويقوم أديب بالإتفاق مع عون باختيار أسماء من بينها، وليس العكس. والموقف الشيعي هذا لا ينطلق من باب التمسّك بالمناصب بقدر ما يهمّه الحفاظ على دوره كشريك سياسي في البلد، وليس كطرف يتمّ فرض أسماء الوزراء عليه وكأنّهم يهبطون من «البراشوت».

ولهذا فالمهم اليوم، على ما يقول المتابعون، هو الإسراع في تشكيل حكومة جديدة تُرضي جميع اللبنانيين وتكون قادرة على إنقاذ لبنان من الإنهيار، والقيام بالإصلاحات الإقتصادية والمالية والنقدية التي وافقت عليها جميع المكوّنات السياسية، على ما نصّت عليه المبادرة الفرنسية، والإستدارة مباشرة نحو مسلك إنقاذي من شأنه تجنيب لبنان الوصول الى جهنم، على ما حذّر رئيس الجمهورية ميشال عون. وهذا المسار يتطلّب بالطبع إستمرار التواصل بين أديب والخليلين بعد لقائهما أمس الخميس الذي طلب  الرئيس المكلّف على إثره لقاء الرئيس عون فتمّ تحديد موعداً له اليوم ظهراً لوضعه في إطار المشاورات التي حصلت مع الخليلين، إذ قدّما له، بحسب المعلومات، لائحة تضمّ أسماء شيعية لتولّي وزارة المالية، لكنّ أديب تحفّظ عن تسلّمها لمزيد من التشاور مع رئيس الجمهورية.

والمطلوب إذاً التعاون من قبل الجميع، على ما أضاف المصدر نفسه، خصوصاً وأنّه لم يكن لدى ماكرون أو الرئيس المكلّف أي نيّة أو أي رهان على إخراج الثنائي الشيعي من «حكومة المهمّة». وهذا الموقف يُعاكس ما تتمنّاه واشنطن فيما يتعلّق بإمكانية إخراج «حزب الله» من الحكومة الجديدة لكي تكون مسألة التحكّم بها، من وجهة النظر الأميركية، أسهل.

وعن إمكانية بروز عقدة أو عقد مسيحية حول مسألة تسمية الوزراء المسيحيين من قبل المكوّنات المسيحية، وعلى رأسها الرئيس عون، لا سيما بعد التوافق مع الثنائي الشيعي، من خلال تذكير قصر بعبدا بصلاحيات رئيس الجمهورية التي أقرّها الدستور اللبناني انطلاقاً من المادة 53 (الفقرة 4) التي تنصّ على أنّه «يُصدر بالإتفاق مع رئيس مجلس الوزراء مرسوم تشكيل الحكومة (...)»، والمادة 64 (الفقرة 2) التي تنصّ على أنّ رئيس مجلس الوزراء «يُجري الإستشارات النيابية لتشكيل الحكومة ويُوقّع مع رئيس الجمهورية مرسوم تشكيلها»، أوضح المصدر بأنّ رئيس الجمهورية معني مباشرة بالتشكيل، وفرنسا وأديب يعلمان ذلك، ويعملان تحت سقف الدستور، ولن تكون هناك مشكلة في التوافق فيما بينهم على أسماء الوزراء المسيحيين ذوي الإختصاص والخبرة والكفاءة.

ويؤكّد المتابعون بأنّ تسمية كلّ طائفة لوزراء مستقلّين فيها، هو خطوة أوليّة للتوصّل لاحقاً الى تسمية وزراء مستقلّين كليّاً بعيداً عن الأحزاب السياسية. والمهم أن يتمّتع هؤلاء بكلّ الصفات الحميدة وبالخبرات والإختصاصات اللازمة التي تخوّلهم تحقيق بنود المبادرة الفرنسية وإنقاذ البلاد قبل أن تذهب الى الإنهيار الشامل.