فيما يستعر الصراع على الحصص الحكومية ببدع وهرطقات، يدور صراع أشدّ وطأة في مكان آخر، أبعد ما يكون عن أجندات المتصارعين. مسرحه المباشر صيدليات لبنان، وضحاياه مئات الآف المرضى وأكثر، إذ أنّ أعدادهم تتزايد في بلد الأزمات. هؤلاء ومنذ أن تمّ التداول بإمكان إيقاف دعم استيراد الدواء، تهافتوا على الصيدليات، لتأمين ما أمكن من أدويتهم، لاسيّما تلك المختصّة بالأمراض المزمنة، خوفًا من ارتفاع أسعارها، أو ربما فقدانها، في حال استنزف مصرف لبنان احتياطه وأوقف الدعم.

خلال عشرة أيام باعت الصيدليات كمّية من الأدوية تكفي لشهر كامل في الحالات العادية، أي ثلاثة أضعاف الكمية، وفق ما أكّد نقيب مستوردي الأدوية كريم جبارة في حديث لـ "لبنان 24"، موضحًا أنّ حالة الهلع دفعت بالمواطنين لتخزين الأدوية في منازلهم، المقتدرون ماديًّا ابتاعوا حاجتهم لمدّة سنة، ومن لا يملك المال الكافي إشترى أدويته لمدّة شهر. هذا الأمر انعكس على السوق، وبات لدينا نوعان من الأدوية، أدوية فُقدت فعلًا وباتت مقطوعة، وبطبيعة الحال بعد أسابيع ستعود إلى الصيدليات، لأنّنا نشحن شهريًا. وأدوية أخرى ليست مفقودة، ولكن كميّتها محدودة تكفي حاجة لبنان الشهرية فقط، لذلك لا قدرة للصيدلي على بيع ثلاثة أو أربعة علب من الصنف نفسه للمريض الواحد".

"أحتاج شهريًا إلى عددٍ من أدوية القلب والضغط، جلت منذ الصباح على عدد من الصيدليات ولم أجد طلبي، إلى أنّ وصلت إلى هنا ووجدت علبة من كلّ دواء، ولكن هل ستكون متوفّرة في المرّة المقبلة؟" تسأل سيدة إلتقيناها في إحدى الصيدليات، فيما مواطن مسنّ مربك بسبب انقطاع دواء للسكري عيار ألف يحتاجه باستمرار، ما اضطره إلى استبداله بعيار آخر، وتعديل الجرعات اليومية. مواطن آخر يقول "لم أعثر على علبة حليب واحدة من الصنف الذي يتناوله حفيدي في كلّ صيدليات بيروت، قصدت منطقة الجبل وهناك زرت صيدليات المنطقة، فعثرت على علبة واحدة تكفي أيامًا قليلة، ولكن ماذا بعد؟".

في مقابل الطلب المتزايد على الأدوية لفت النقيب جبارة إلى أّنهم لجأوا إلى إجراء لإطالة أمد المخزون الموجود، ليغطّي أطول فترة ممكنة، بحيث إلتقت نقابات الصيادلة الأطباء والمستوردين بالتنسيق مع وزارة الصحة، وكان الإتفاق أنّ يسلّم المستورد الصيدلي حاجته الطبيعية، الأخير يسلّم المريض حاجته الشهرية لا أكثر، والطبيب بدوره تكون وصفته لشهر واحد. هذا الإجراء أيضًا يعدل بين الأثرياء والفقراء، بحيث لا يأخذ مريض من درب آخر".

هذا حال قطاع الدواء في ظلّ الدعم، فكيف سيكون الوضع فيما لو رفع مصرف لبنان فعلًا دعمه لتأمين استيراد الدواء؟

"لا أرغب حتّى في التفكير بهذا الإحتمال، الذي سيكون كارثيًا على القطاع الصحي. رفع الدعم يعني إمّا فقدان الأدوية أو ارتفاع أسعارها، والسوق السوداء لا يمكنها أن تكفي حاجة لبنان الدوائية، ولا يمكن للمرضى تحمّل تكلفة رفع أسعار الدواء ولا الجهات الضامنة، وقد ينهار النظام الصحي في حال رُفع الدعم".

كي لا نصل إلى ما هو أسوأ تحدث جبارة عن طرح يتم التداول به، قوامه الطلب من المؤسسات الدولية المانحة إقامة جسر تمويلي، أي دعم قطاع الدواء بمبالغ منطقية تكفيه لأشهر أربعة أو خمسة، دون أن يتم ربط دعم الدواء بالإصلاحات أو بالإتفاق على برنامج مع صندوق النقد الدولي، وذلك ريثما تكون قد تشكّلت الحكومة ووضعت خطّتها، وبدأ الإفراج عن المساعدات الدولية".

جبارة دعا إلى تحييد قطاع الدواء، والتقشّف ما أمكن في باقي القطاعات، كي يطول أمد مخزون مصرف لبنان ستة أشهر، يصار خلالها إلى تأليف الحكومة وإقرار القوانين المطلوبة دوليًا، لتبدأ مرحلة التدفقات المالية من الخارج، وعندها يمكن للإقتصاد أن يمّول نفسه، وتنتفي الحاجة للدعم. "هي مسألة وقت، وما نطلبه رَبْحونا وقت".

الكارثة الصحية التي تهّدد حياة شعب بأكمله، ليست مدرجة في أجندة ممثلي الشعب، من رأس الهرم وصولًا إلى المؤسسات والمعنيين كافة، هؤلاء لم ولن تصل إلى مسامعهم همومنا وشجوننا هذه، وإن وصلت لا يبالون ولا يجتمعون لطوارىء دوائية، فهم منشغلون بما هو أعظم، بحصص الطائفة كما يدّعون، فيما أبناء كل الطوائف لم ولن تنفعهم هذه الحقيبة أو تلك، بل دفعوا ولا يزالون أثمانًا باهضة من حياتهم المهدّدة بزعزعة الأمن الدوائي والغذائي.

نوال الأشقر- لبنان24