ليس أمرا عابرا ان لا يسمي حزب القوات «الصديق» سعد الحريري ثلاث مرات متتالية، وليس عابرا ايضا ان يكون تكليف الحريري منزوع الميثاقية المسيحية كون تكتل لبنان القوي لم يمنحه التكليف مما يعطيه فقط أصوات خمسة عشر نائبا مسيحيا، وليس عاديا ايضا في الــسياسة ان تبقى الجرة مكسورة بين الحليفين الســابقين في معراب وبيت الوسط كل هذا الوقت وعلى الرغم من اشارات كثيرة ايجابية سجلت بين الطرفين وعلى الرغم ايضا من حاجة الحريري الى دعم الحليف السابق في معراب ليعبر الاستحقاق نحو السراي.

لم يساهم لقاء وفد المستقبل في كسر الجمود الواقع بين معراب وبيت الوسط وفق المعلومات فإن لقاء الوفد المستقبلي برئاسة النائبة بهية الحريري امتد لفترة أطول من المعتاد وتخلله اسهاب في الحديث في عدة ملفات، لكنه لم يؤد الى اختراق او كسر قرار سمير جعجع عدم تسمية الحريري هذه المرة، على الرغم من ان موقف القوات يختلف عن الجولتين الماضيتين باختيار القوات الحياد لعدم استفزاز الحريري بتسمية مرشح آخر.

قد يكون من الصعب بعد فترة من الجفاء ان يعيد الحريري بكبسة «زر» الأمور الى وضعيتها السابقة، المواقف الصاخبة والأحداث والمتغيرات تتضافر جميعها لتعمق التباعد بين الشيخ والحكيم بعد كل هذه المدة، وعلى امتداد مرحلة من الشكوك والاتهامات المتبادلة بينهما، فالحريري لم يصفح بعد عن القوات في أزمة احتجازه في السعودية ولم يمرر على خير «فعلة» القوات في الاستشارات النيابية عندما نام الحريري على «حرير» تسمية نواب تكتل الجمهورية القوية له ليستفيق على صدمة عدم التسمية أسقطته في امتحان تشكيل الحكومة بفقدان المظلة المسيحية من الثنائي المسيحي له في حكومتي حسان دياب ومصطفى أديب.

بالمقابل لم تتخط القوات خذلان الحليف لها وإقصاءها عن القرار في مرحلة التسوية الرئاسية ووفق مبدأ كان معمولاً به سابقا يقوم على ان اقتراب الحريري من باسيل كان يباعده عن سمير جعجع، وهكذا ساءت العلاقة أكثر من مرة وتدهورت على الرغم من ان جعجع يعتبر سعد الحريري حليفا استراتيجيا، والخلاف معه كان دائما على طريقة إدارة البلاد والتفاهمات التي أنجزها مع الثنائي الشيعي وباسيل وأتت في غير مصلحتهما او مصلحة فريقهما السياسي.

أكثر من مرة شرح سمير جعجع خياراته التي زعزعت علاقته بسعد الحريري ومنعته من تسميته رئيسا للحكومة، فهو قال في الماضي لم «تأخذ معنا تسمية الحريري أكثر من خمس دقائق لكن اليوم هناك عنصران استثنائيان، الانتفاضة الشعبية والحراك وطريقة إدارة البلاد»، فهناك تغيير كبير في المشهد السياسي طرأ بعد ثورة 17 تشرين الأول.

العودة الى العصر الذهبي للعلاقة تحتاج الى توافر شروط «سياسية وشخصية» من الطرفين تبدأ من تفاصيل تتعلق بالتفاهمات الداخلية الى القضايا الكبرى والإقليمية، القوات ذهبت بعيدا في عدم التلاقي مع المستقبل فهي هذه الأيام تغرد الى جانب التيار الوطني الحر في ملفات كثيرة من العفو الى القانون الانتخابي وأخيرا في رفض عودة الحريري الى رئاسة الحكومة.

جعجع وضع النقاط على الحروف ومن خلال تفسير كلامه يمكن تأكيد ان لا غطاء لحكومة في ظل الأكثرية الحالية ولا مرفوعة ضد تكرار التجربة مع العهد والثنائي الشيعي.