في ذروة أزمة القطاع المصرفي اللبناني، ها هي أزمة أخرى تلوح في الأفق وهي أزمة خطرة قد تقضي على ما تبقى من هذا القطاع بحكم أنها تستهدف 12 مصرفًا لبنانيًا من الصفّ الأول، وذلك من التداعيات المتوقعة لرفع دعوى من قبل 350 عائلة أميركية في نيويورك ضدّ مصرف سوسيته جنرال لبنان، فرنسبنك، بنك الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بلوم بنك، بيبلوس بنك، بنك عودة، بنك بيروت، بنك لبنان والخليج، البنك اللبناني الفرنسي، بنك بيروت والبلاد العربية، جمّال تراست بنك (تمّت تصفيته)، فنيسيا بنك بتهمة التعامل مع حزب الله وتأمين الدعم له مما أدّى إلى مقتل أو جرح 1000 جندي أميركي في العراق ما بين العامين 2004 و2011.

الدعوى التي انطلقت في العام 2019، عادت إلى الواجهة من جديد مع رفض الدفوع الشكلية المُقدّمة من المصارف إذ يبدأ البحث الآن في المضمون مع ملف يحوي 822 صفحة يتهم فيها الادعاء (OSEN LAW) المصارف اللبنانية بـ «تقديم الدعم المالي للحزب واستخدام النظام المصرفي الأميركي مع علمها أنه مُصنّف على لائحة الإرهاب الأميركية»، والأخطر من ذلك أنها تتهم المصارف أنها قامت بـ«المساعدة، والتحريض، والتواطؤ» مع الحزب في عملياته.

هذه الادعاءات والتُهمّ تعتبر في القانون الأميركي جرائم يعاقب عليها كل من ساهم فيها وذلك بسبب التصنيف الذي وضعته الولايات المتحدة للحزب. وبالتالي، فإن محور الدعوى يدور الآن حول إمكان إثبات التُهمّ الموجّهة ضد المصارف أو عدمه، مع العلم أن من بين الوثائق المُقدمّة من قبل الادعاء، إيصالات قبض تبرعات لمصلحة الحزب مع حملات دعائية للتبرع في حسابات موجودة في عدد من المصارف المُدّعى عليها.

عمليًا هناك احتمال لإدانة المصارف (إذا تمّ إثبات التُهم) وبالتالي التعويض على العائلات بعدّة مليارات من الدولارات الأميركية، وهو ما يُشكّل ضربة لهذه المصارف خصوصًا في ظل وضعها المالي الحالي. إلا أن الأخطر هو التداعيات التي قد تنتج من هذه الإدانة وبالتحديد احتمال وضع هذه المصارف على لائحة العقوبات الأميركية، مما يعني شلّها كلياً وبالتالي زوالها حكمًا!

 التدقيق الجنائي

وفي هذا الوقت، قام مجلس النواب في جلسته الأخيرة نهار الجمعة الماضي بإصدار قرار بإجراء التدقيق الجنائي على حسابات مصرف لبنان وكل حسابات الدولة اللبنانية. هذا القرار اعتبره البعض غير موجود في الدستور بحيث يُعتبر مناورة من قبل المجلس النيابي لتفادي الغضب الشعبي وإلا لكان المجلس النيابي صوّت على قانون يُجسّد هذا القرار على غرار ما حدث في قانون شهداء المرفأ، إلا أن المرجع القانوني والوزير السابق إبراهيم نجّار قال إن القرار الصادر عن المجلس

النيابي يُعتبر كمبدأ تشريعي أسمى من القوانين، وبالتالي يُمكن أن يصدر قانون يضع دقائق هذا المبدأ ويُترجمه بآلية قانونية.

في مطلق الأحوال، ترجمة هذا القرار يعود بشكل أساسي إلى الحكومة المُستقيلة التي من المفترض أن تعمد إلى وضع آلية تشمل ليس فقط الدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان ولكن أيضًا كل الوزارات والمؤسسات والصناديق، مع الإشارة إلى أن مراجع قانونية رأت أن حكومة تصريف الأعمال لا يُمكنها وضع مثل هذه الآلية، وبالتالي هناك مخاوف من تعذر تطبيق قرار مجلس النواب...

لذا، من المُتوقّع أن يلتئم المجلس المركزي لمصرف لبنان للبحث في هذا القرار بعد طلب إستشارة قانونية.

على كل الأحوال، القرار الذي صدر عن المجلس النيابي يواجه عدّة تحديات منها على سبيل المثال لا الحصر: إيجاد شركة تدقيق عالمية تقبل دخول الساحة اللبنانية مع ما قد يواكب ذلك من مخاطر فضّلت شركة ألفاريز آند مارسال عدم تحمّلها، وحصول اتفاق حقيقي بين القوى السياسية على أولية التدقيق في الوزارات والمؤسسات وكيف سيتم استثمار هذا الأمر سياسيًا.

بالتزامن، يقوم المصرف المركزي الفرنسي بالتدقيق في حسابات مصرف لبنان بحسب ما صرّح الإعلامي سالم زهران في مقابلة على شاشة الـ LBC وأكّده النائب ماريو عون في حديثٍ لصوت كل لبنان، وهذا إن صحّ يُرجح وضعه في خانة تطويق قسم من الطبقة السياسية.

في الواقع، منهجية التدقيق تنص على مطابقة الحسابات داخليًا ومع الخارج، بالإضافة إلى سياسات وآليات العمل والرقابة وإدارة المخاطر والالتزام بالمعايير والقوانين؛ وهو ما تقوم به عادة شركات التدقيق. وفي حال وجود أي مُشكلة احتيال أو اختلاس المعروفة مهنياً بالـ fraud أو financial manipulation، فسيتوسع البحث في العمق عن مصدر المشكلة لمعرفة المتورطين فيها بصفة مباشرة وغير مباشرة؛ وهذا ما يُطلق عليه التدقيق الجنائي.

المعلومات المُتوافرة إلى الآن لا تسمح بالجزم ما إذا كان التدقيق الذي يقوم به المركزي الفرنسي سيشمل التدقيق الجنائي أو سيقتصر على التدقيق المحاسبي. إلا أن سيناريو القيام بتدقيق جنائي يبقى مُحتملاً بقوة، وخصوصًا التدقيق في عمليات مصرف لبنان وبعض الوزارات والمؤسسات التي تستخدم المصرف المركزي. الجدير ذكره أن هناك بعض الوزارات والمؤسسات لها حسابات في مصارف تجارية، كما صرّح الوزيرالسابق على حسن خليل في تقريره الصادر في العام 2017 .

وفي هذه الحالة تكون الديبلوماسية الفرنسية من خلال عملية التدقيق من قبل المصرف المركزي الفرنسي لحسابات مصرف لبنان، تقوم بجمع إثباتات عن السياسيين والمسؤولين ورجال الأعمال الذين تلوّثت أيديهم بالمال العام بهدف استخدامها في الضغط عليهم لفرض تنازلات تتطلبها المرحلة أو دفعهم الى ترك المُعترك السياسي. وبالتالي تكون فرنسا قد سبقت الولايات المُتحدة الأميركية على هذا الصعيد.

 شهر الأعياد

يدخل لبنان في فترة أعياد أخر السنة في ظل أزمة إقتصادية ـ سياسية ـ نقدية خانقة تعصف به. وبالتالي، فإن هذه الأعياد ستكون مُختلفة عن سابقاتها نظرًا إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطن اللبناني والتي ستفرض التخلّي عن الكماليات والاكتفاء بالأساسيات من المواد الغذائية، فضلاً عن الكماليات التي كانت تعتبر المصدر الأساسي لهذه الفترة من السنة. والأصعب في الأمر أن الدعم المُقدّم بالدولارات سيتزامن مع زيادة في الطلب مع هذه الأساسيات، مما قد يُلغي مفعول ترشيد السلة الغذائية، خصوصًا أن المُستفيدين من التجار سيسعون إلى تعظيم أرباحهم من باب التهريب على وجه الخصوص، ومن فلتان الأسعار على وجه العموم في ظل شلل كلي للوزارات المعنية. من هذا المُنطلق، تبقى الأنظار مُتّجهة إلى المُغتربين اللبنانيين الذي سيحملون معهم من الدولارات ما قد يُخفف من وطأة الأزمة الحالية.

 مؤتمر دعم لبنان

وينعقد في الثاني من الشهر القادم (أي بعد غدّ) مؤتمر إنساني لدعم لبنان بدعوة من فرنسا وحضور الدول الداعمة للبنان. هذا المؤتمر ذو الأبعاد الإنسانية يهدف إلى تأمين قسم من المواد الأولية الأساسية التي سيحتاج إليها لبنان في المرحلة المُقبلة، بالإضافة إلى بعض الأدوية والمواد الغذائية الأساسية كالقمح. ولكن لن يدخل هذا المؤتمر في مساعدات مالية للدولة اللبنانية، في ظلّ غياب حكومة قادرة على القيام بإصلاحات إقتصادية ومالية ونقدية وإدارية وقضائية وسياسية. وبالتالي هناك حالة من الركود ستُخيّم على لبنان في المرحلة المُقبلة أقلّه حتى شباط 2021 .

ويرى بعض السياسيين أن «هذا المؤتمر يقطع الطريق على بعض الدول التي قد تستفيد من الغياب الغربي للدخول في مجال التأثير في المشهد السياسي اللبناني».

 تشكيل الحكومة

ومن المتوقّع أن يزور الرئيس المُكلّف تشكيل الحكومة سعد الحريري قصر بعبدا لتقديم تشكيلة حكومية مؤلّفة من 18 وزيراً من اختياره. وإذا كانت التوقّعات أن يرفض الرئيس التشكيلة لكونها بنظره لا تعتمد معايير موحدة بحسب ما صرّح به خلال خطاب الاستقلال، إلا أن الضغوطات الاقتصادية قد تسمح ببعض الحلحلة على هذا الصعيد على الرغم من التشاؤم الذي يُظهره بعض المراقبين السياسيين الذين يقولون ان الولايات المُتحدة الأميركية ترفض أي مُشاركة لحزب الله في هذه الحكومة، في حين أن إصراره على المُشاركة سيضع البلد من جديد أمام انقسام حاد قد تكون له ترجمة في الشارع اللبناني الذي يُعاني أصلاً من ظروف معيشية كبيرة.

 السباق الرئاسي

في هذا الوقت، بدأ اسم كارلوس غصنّ يُتداول في الأروقة كمرشّح مُحتمل لرئاسة الجمهورية مع قول ديبلوماسي أوروبي لمرجع سياسي لبناني سابق: «إذا كنتم تريدون اعادة احياء البلد، فما عليكم إلا انتخاب كارلوس غصن رئيساً للجمهورية». وعزّز هذا الاعتقاد الانتقاد اللاذع الذي وجهته لجنة تابعة للأمم المتحدة لمدعي العموم في العاصمة اليابانية طوكيو جراء اعتقال غصن لنحو 130 يوماً في سجن ياباني واصفة الاعتقال بأنه «غير عادل، ولم يكن ضرورياً ولا معقولاً، وانتهك حقوق الإنسان لغصن».

 مجزرة صحيّة

الإقفال العام الذي دام أسبوعين، لم يأتِ بنتائج كما كان مُتوقّعًا، وبالتالي فإن إعادة الفتح التدريجي ستبدأ اعتبارًا من اليوم في ظلّ انقسام حكومي واضح بين وزير الصحة ووزير الداخلية ووزير التربية ومُستشارة رئيس الحكومة حيث يتبنّى كل واحد منهم وُجهة نظر مُختلفة. إلا أن الأخطر يبقى قرار إعادة فتح المدارس نظرًا إلى أن التخالط بين الطلاب سيزيد حكمًا من احتمالات انتقال الفيروس خصوصًا أن الكمّامات التي تحمل رسومًا، سيتمّ تبادلها بين الطلاب كما بدأ ينتشر على مواقع التواصل الإجتماعي. وبالتالي فإن هذا القرار سيؤدّي إلى مجزرة صحية ستصيب الأهل بالدرجة الأولى!

تدابير جديدة لمكافحة كورونا

هذا و اصدر أصدر وزير الداخلية والبلديات في حكومة تصريف الاعمال محمد فهمي امس قراراً يتعلّق بتعديل التدابير والإجراءات الوقائيّة لمواجهة كورونا اعتباراً من 30 تشرين الثاني 2020 ولغاية 7 كانون الأول 2020.

ويُمنع الخروج والولوج إلى الشوارع والطرقات يوميا من الساعة الحادية عشرة مساء ولغاية الخامسة من صباح اليوم التالي، وذلك إعتبارا من صباح يوم الاثنين 30 تشرين الثاني ولغاية صباح الاثنين 7 كانون الاول.