لم يكف مخيم نهر البارد ما تعرض له من تدمير كلي جراء الحرب على الارهاب... ولم ينته اعمار الخيم الى الآن فنتواصل معاناة الفلسطينيين المقيمين في منازل مكونة من صفائح معدنية غير صالحة للسكن صيفا وشتاء في ما يسمى مجمعات (البراكسات).

وسط هذه المعاناة التي يعيشها الفلسطينيون في لبنان مع حرمانهم ابسط الحقوق الانسانية يتواصل مسار تصفية القضية الفلسطينية على اكثر من جبهة داخلية وخارجية، وليس التطبيع ومعاهدات الاستسلام للكيان الصهيوني إلا أحد أوجه المؤامرة على طمس الهوية الفلسطينية وتصفية القضية بعد تجويع وقهر واذعان وإركاع وصولاً الى الاعتراف بالكيان الصهيوني والتطبيع معه...

ما يتعرض له الفلسطينيون في مخيمات اللجوء ومنها نهر البارد والبداوي ما هو الا احدى حلقات التجويع للتركيع والاذعان والتطبيع...

في مخيم نهر البارد شمال لبنان كما في مخيم البداوي اخطر مظاهر الحرمان من خدمات «الاونروا» التي قررت تقليص خدماتها في ظل جائحة «كورونا» التي تغزو مخيمي نهر البارد والبداوي، لا سيما ان نهر البارد سجل اعلى نسبة وفيات بين المخيمات تجاوزت الخمسين، دون أن يشير الاعلام اليها والى ارتفاع نسبة الاصابات بما يتجاوز الاربعمئة حالة في مساحة جغرافية لا تتجاوز الـ2كلم مربع وبعدد سكان لا يتجاوز الاربعين الف نسمة...

يجمع الفلسطينيون في المخيمات على انهم يتعرضون لاشرس هجمة دولية تشارك فيها بعض الدول العربية التي اذعنت للعدو الصهيوني وعقدت معاهدات استسلام معه.

وابرز نتائج هذه المعاهدات المخزية ان منظمة «الاونروا» عمدت منذ ايام الى تقليص جديد لخدماتها الصحية والاستشفائية والتربوية والانسانية، فأقدمت على فصل 225 مدرساً وخفض رواتب الباقين الى النصف، فيما موظفو المنظمة من الاجانب ينعمون بموازنتها المخصصة لايواء وغوث اللاجئين، فيقبضون رواتبهم كاملة مع هواتف وسيارات وبدل سكن، فيما اللاجىء يقيم في «براكاسات» ولا يستطيع الاستشفاء ولم ينجز مشروع اعمار المخيم رغم 13 سنة على دماره وتعرض اهله لنكبة ثانية بعد النكبة الاولى...

ليس في مخيم نهر البارد او مخيم البداوي من طرقات صالحة لسير المركبات وليس في البارد مياه للشرب نظيفة بل مياه مالحة لا تصلح للاستعمال... وتقليص خدمات الاستشفاء ادخل السكان في متاهات الاخطار الصحية القاتلة رغم تفشي وباء كورونا، فبدلا من الاستنفار الصحي ورفع مستوى الرعاية الصحية يأتي قرار «الاونروا» مجحفاً ظالماً وفق اهالي المخيمات ويحمّلون المسؤولية الى مفوض «الاونروا» العام لازاريني الذي اطلع على معاناة اللاجئين ووقف متفرجاً ينفذ سياسة تصفية القضية الفلسطينية والمؤامرة الدولية التي بدأت تجد موطىء قدم لها عبر خطة لا تستبعدها الاوساط الفلسطينية وهي الغاء «الاونروا».

واقفال باب الخدمات خطوة نحو فرض التوطين وتجنيسهم، وهو سياق بدأ عبر دول خليجية وعبر ما سمي بـ«الربيع العربي» وهو الجحيم العربي عنوانه محو فلسطين وهويتها من الذاكرة والتاريخ والجغرافيا لتكريس الكيان الاستيطاني المصطنع في قلب الوطن والامة...

مخيم نهر البارد الذي كان قبل دماره سوقاً يرتاده ابناء عكار من كل الشرائح الاجتماعية، بات اليوم يئن تحت وطأة الفقر والحرمان حيث تتفشى «الكورونا» وحيث مؤامرة «الاونروا» مستمرة وحيث لا ماء ولا كهرباء ولا طرقات، والمستوصفات تخلو من الدواء بعد تقليص «الاونروا» لخدماتها...

في نهر البارد كما في البداوي وبقية المخيمات شعب هجره عدو الانسانية، واليوم يتعرض لابشع مؤامرة كونية...