هذا الوقت المثالي لكي يثأر المفكر الفرنسي ريجيس دوبريه لرفيقه، في غابات بوليفيا، ارنستو تشي غيفارا من «ذلك الفردوس الذي ماتت فيه الروح»!

الأمبراطورية التي وطأت سطح القمر، وقريباً سطح المريخ، والتي قالت بالانسان ما بعد الانسان، وبالزمن ما بعد الزمن. أيضاً، الأمبراطورية التي قتلت الملايين في اليابان، وفي كوريا، وفي فيتنام، وفي أفغانستان، وفي العراق، وفي أمكنة أخرى، وأخرى، من الكرة الأرضية، تبدو... امبراطورية من زجاج.

ثمة مخلوق عجيب، مجهري ولامرئي، كما لو أنه آت من أقاصي العدم، يمتطي ظهر الهواء، ويقتل مئات الآلاف، ويصيب الملايين، دون أن تتمكن المختبرات من الوصول اليه الا بعدما غصت، بالجثث، المقابر الجماعية في تلك الجزيرة النيويوركية الكئيبة.

الأمبراطورية أقفلت أبوابها، حتى أبواب الكنائس، كما لو أنها تقطع أي صلة بالله، وهي التي قطعت هذه الصلة منذ قنبلة هيروشيما. الاقتصاد الذي يهز الدنيا من أقصاها الى أدناها، اهتز. الشاعرة بربارة آلينغتون لاحظت كيف أن ناطحات السحاب «باتت مأوى... للخفافيش».

وها أن مخلوقاً عجيباً، على شاكلة الكورونا، يدخل الى البيت الأبيض، وينزع ورقة التوت عن وجه الأمبراطورية. هنا في وول ستريت «ولد آدم الآخر»، بالأحرى الاله الآخر. ألم يقل آلان غريسبان، الرئيس الشهير لمجلس الاحتياط الفديرالي (البنك المركزي)، «على رجال الشرطة أن يعلموا ألاّ مكان للمسيح هنا»؟ الفريسيون عادوا الى الهيكل (وهنا الهيكل). المال، في الكتاب المقدس، الوصية الحادية عشرة.

المخلوق العجيب الذي كان، منذ طفولته، مدمناً على الأفلام التي تظهر «الغزوات الرائعة» لقرى الهنود الحمر، وابادة اهلها، واحراق أكواخها، لم ير، في الدول الأخرى، سوى قرى الهنود الحمر. ينبغي أن تزول لتختزل أميركا العالم.

وها أن الأمبراطورية التي كرست أدمغتها لبناء الترسانات التي تستطيع دحر الكائنات الفضائية، وحتى الكائنات الخرافية، فوجئت بمخلوقات عجيبة أيضاً، على شكل ذبذبات لامرئية، تخترق هيكلها العظمي.

«ما حدث أظهر أننا الهنود الحمر في أكواخ القش»، كما قال روبرت مالي، الباحث في «مجموعة الأزمات الدولية». ليس مهماً أن تكون الأرواح الشريرة روسية، أو صينية، أو ايرانية. لعل الذين بعثوا بها أرادوا القول لدونالد ترامب «هل هذه هي الأمبراطورية العظمى التي وعدت بها؟».

في تلك اللحظات «اللحظات التي دخلت علينا الأرواح الشريرة دون أن تدق على الأبواب»، على ما قال مالي أيضاً، لم تعد أميركا أميركا. لا منظومات الباتريوت، ولا الصواريخ العابرة للقارات، ولا الغواصات النووية التي تجوب كل مياه الكوكب، تمكنت من أن تتنبه، أو من أن تتصدى، لتلك «القبائل الالكترونية».

هل هو، حقاً، انتقام الهنود الحمر، بعدما تردد، غداة أحداث 11 أيلول عام 2001، في مدينة نيويورك «لعلها لعنة الهنود الحمرلأن المدينة بنيت فوق جماجم آبائهم وأمهاتهم»!

ريجيس دوبريه، المثقف الرؤيوي، يصل الى حد السؤال ما اذا كانت قوة خارقة، قوة غيبية، هي التي بعثت بدونالد ترامب لكي يرفع شعار «أميركا العظمى»، دون أي اعتبارات فلسفية أو أخلاقية، ليكون شاهداً على «أميركا المفككة» التي احترفت قتل «ثقافة الانسان» لتحل محله «ثقافة السوق».

وقال «ان الابالسة التي أطلقها المجمع الصناعي ـ العسكري، وقد حذر منه دوايت ايزنهاور، بطل النورماندي، عادت وانقضت على الأمبراطورية. انظروا ما حدث، وما يحدث، وما سيحدث».

بالرغم من اللحظة الثأرية في رأس المفكر الفرنسي، يعتقد أن فوز جو بايدن في ظل ذلك الضجيج الذي أثارته جثة رئيس ذاهب الى الظل، قد يكون الرهان. «عليه أن يفكر كيف تكون أميركا الفردوس لا الجحيم».

لامشكلة في المغالاة في رهان يبدو مستحيلاً للوهلة الأولى. للوهلة الثانية أيضاً...!!