رداً على الكاهن الكاثوليكي جوليانو بيريلا، قال الديكتاتور التشيلي أغوستينو بينوشيه «ما دامت علاقتنا مع الشيطان أحسن ما يرام، لماذا لا تكون علاقتنا كذلك مع أميركا؟!».

مدوّنة مغربية وصفت، ساخرة، جاريد كوشنر بـ «مولاي... صهر الشيطان». حين هبط من الطائرة في الرباط كما لو أنه هبط للتو من السماء. المدوّنة كتبت «وزراؤنا العظام رأوا عظام ابراهيم وهي تتلألأ في قبره».

سألت «أين كانت عظام القتلى، والأسرى، الفلسطينيين في تلك اللحظة (المعجزة). لكأن عصا بنيامين نتنياهو تسوقنا كما السبايا الى المضاجع».

أين هو الطاهر بن جلون، بالأصابع الفذة، ليكتب كيف يتم اغتصاب الزمن العربي (أو ما تبقى من الزمن العربي) بعدما اغتصب ملوك التوراة التراب العربي؟ زئيف جابوتنسكي قال منذ مائة عام «هؤلاء الذين هناك لا أرض لهم». عندهم فقط الأرض المقدسة. نحن البدو الرحل الذين لا يدركون ما معنى الأرض، ولا معنى المقدس!

لعل الكاتب المغربي، الحائز جائزة غونكور، نسي مقالته في صحيفة «اللوموند»، وقد ندد فيها بقرار وزير الداخلية شارل باسكوا حول ترحيل المهاجرين المغاربة. كتب «جاهزون للرحيل، شرط أن ترحل معنا الكلمات العربية في اللغة الفرنسية لتبقى لغة فيكتور هوغو ثكلى، وشاحبة، وملأى بالثقوب».

حتماً يعرف، ويتغاضى، عن ملايين الفلسطينيين الذين ينتشرون في مخيمات لبنان، وسوريا، والأردن، وغزة، والذين تم ترحـيلهم عن رائحة الزمن في بلادهم.

أين كان صاحب «ليلة القدر» حين كان جاريد كوشنر يستقبل في بلاده استقبال الأنبياء، وهو الذي يعلم أنه مهندس صفقة القرن التي ترمي الى ترحيل من تبقى من فلسطينيي «الخط الاخضر»، وتوزيعهم، كما الأكياس البشرية، على دول الجوار؟

اعترف بأنني مفتون بكتابات الطاهر بن جلون، وبلغته التي مثلما تراقص الأنين، تراقص ضوء القمر، وأعرف أنه يخشى اتخاذ أي موقف وجداني من التراجيديا الفلسطينية حتى لا يتم اقصاؤه عن لائحة المرشحين لجائزة نوبل، أو حتى لا يكون مصيره مثل مصير «فيلسوف الأمل» روجيه غارودي الذي أزيل اسمه حتى من الذاكرة الفرنسية...

بن جلون الذي طالما تساءل عن السبب في تلك «الغيبوبة الكبرى»، بالرغم من أن الأشياء يمكن أن تنطق في عصرنا. ضحك كثيراً حين شرحت له كلام ذلك البدوي الذي سرقت ابله فلاحق اللصوص بالسباب «اشبعتهم سبّاً ومضوا بالابل». قال «هذا أروع توصيف لحال العرب»!

استغرابنا لا يقتصر على بن جلون. الكثير من الكتّاب العرب وضعوا النقاب على وجوههم. لم يصرخوا أمام من يرغبون في تحويل العرب الى قهرمانات، بأقدام عارية، أو بأقدام ذهبية، في حضرة الحاخامات.

ولكن ألم يهتز الكاتب المغربي، وهو يرى كيف أن «الكورونا» التي زعزعت التاريخ البشري، دون أن تؤثر، قيد أنملة، في رؤية الأباطرة للعالم، بعدما كان الاستاذ في جامعة هارفارد روبرت غولدسميث قد توقع أن تؤدي التداعيات الدراماتيكية للجائحة الى اعادة تشكيل العلاقات بين الدول، وبين المجتمعات، وفق ما تقتضيه جدلية القيم لا جدلية المصالح ولا جدلية الأسواق؟

بن جلون لاحظ أن العالم، بالعلاقات الفوضوية التي عاشها على مدى عقود لتبلغ مداها ابان ولاية دونالد ترامب، يعاني من نقص في المعنى، أي من نقص في الحياة. غريب أنه لم يلاحظ ايضاً كيف أن جاريد كوشنر الذي ينطق باسم اليمين الليكودي يحاول تغيير المسار التاريخي للعالم العربي (ولو كان العالم الافتراضي) قبل خروج والد زوجته من البيت الأبيض.

لا نتصور أن صاحب «تلك العتمة الباهرة» لم يقرأ ما قاله الفيلسوف الفرنسي جان جينيه، لدى زيارته مخيمي صبرا وشاتيلا، عقب المجزرة الشهيرة في أيلول 1982»، كفرنسي أمام تلك الوجوه الممزقة، شعرت بالعار. كانسان شعرت بالعار أكثر حين قالت لي أم أحد الضحايا وهي تنتحب «أشقاؤنا العرب اكتفوا بارسال أكياس الطحين الى... الموتى»!!