لن يعود الرئىس المكلف سعد الحريري، بعد عودته الى لبنان، من اجازة الاعياد، الى القصر الجمهوري، ليستكمل مع رئىس الجمهورية العماد ميشال عون، ما بدأه حول التشكيلة الحكومية التي قدمها له، قبل اكثر من اسبوعين اذ افترقا على خلاف، ليس في الشكل فقط بل في المضمون، مما باعد بينهما حول النظرة الى تأليف الحكومة، ودخلا في تباين حول ممارسة الصلاحيات الدستورية، ومن يتولى التأليف بعد التكليف الرئىس المكلف لوحده، ام مع شريكه الدستوري رئىس الجمهورية، الذي يستند الى توقيعه على مراسيم التشكيل، ليفرض نفسه، بغير ما كان عليه رؤساء جمهورية سابقين، الذين كانوا يكتفون بحصتهم.

فالرئىس عون ما زال عند موقفه المتشدد لجهة ان تحظى الحكومة بموافقة الكتل النيابية، وان تستشار حولها، لان دستور ما بعد اتفاق الطائف، يقول ذلك وفق مصادر سياسية ونيابية مؤيدة لرئىس الجمهورية التي تتحدث عن ان الحكومة باتت هي السلطة الاجرائىة مجتمعا، والقرار يعود اليها بالتوافق او التصويت الذي يجب ان يحصل في مسائل معينة على اكثرية الثلثين في مجلس الوزراء وان الحكومات التي تشكلت منذ مرحلة ما بعد الطائف، كانت تسمى توافقية او وحدة وطنية ولم تتألف حكومة تكنوقراط فقط، بل تكنو - سياسية وان مطلب الحريري او شرطه، ان تكون الحكومة من غير السياسيين او الحزبيين هي وجهة نظر وليست الدستور الذي يبقى هو الكتاب الذي يجب العودة اليه في الازمات.

لذلك لم تكن فترة الاعياد استراحة محارب للفصل في الصراع الدستوري والسياسي، بين الرئيسين عون والحريري، اذ كل منهما على موقفه، ولا يوجد وسيط بينهما لتقريب وجهات النظر، بعد ان اعلن البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي ان وساطته توقفت بعد ان بقي كل طرف عند موقفه يبرره بما لديه من حجج اقناع دون الالتفات الى الواقع الكارثي الذي يعيشه لبنان، اذ ينقل عن سيد بكركي بأنه اخفق في ايجاد حل يرضى عنه الطرفان، وان كل ما انجزه هو اسقاط المطالبة بالثلث الضامن، وتأييد حكومة من 18 وزيرا مقسمة على ثلاثة، اي ستة وزراء تمثل الطوائف والمذاهب، وحتى هذه الصيغة بدأت تترنح بعد زيارة النائب طلال ارسلان قصر بعبدا، واعلانه بعد لقاء رئيس الجمهورية، ان حكومة من عشرين وزيرا، يتمثل الدروز فيها بوزيرين وكذلك طائفة الروم الكاثوليك، ليست بعيدة عن تفكير الرئىس عون.

من هنا، فإن لا وساطات بين رئيس الجمهورية والرئىس المكلف، بعد ان نفى البطريرك الراعي مبادرته واعلن العودة الى نقطة الصفر، وكذلك غياب المبادرة الفرنسية للرئىس مانويل ماكرون، عن لبنان الذي توقف الموفدون الفرنسيون عن زيارته، بعد اخر زيارة لباتريك دوريل، اذ تكونت قناعة لدى الفرنسيين بأن القوى السياسية التي حاورها الرئىس الفرنسي في قصر الصنوبر، ليست في وارد المساعدة لإنقاذ لبنان واعطاء امل للبنانيين بأن بلدهم لن يكون كسفينة «تايتانيك» لكنهم في قيادتهم لها على مدى عقود، اغرقوها كما اعلن وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان، الذي اشار الى ان لبنان دولة الى زوال، اذ تتحدث مصادر دبلوماسية فرنسية في بيروت عن تعليق للمبادرة، بعد ان مضى نحو خمسة اشهر على اطلاقها، وقد اعطاها صاحبها مهلة لتحقيقها حتى نهاية العام الماضي، وقد ولى والحكومة لم تولد مع عام جديد، وباتت صدقية الرئىس ماكرون على المحك، في ظل وضع سياسي داخلي يعيشه في فرنسا، ويواجه في الشارع تظاهرات «السترات الصفراء» تطالب بإنعاش الاقتصاد الذي تدهور مع وباء «كورونا» وحل ازمة البطالة والفقر.

ويدخل اللبنانيون على عام جديد، لن يكون افضل مما سبقه، لانه محمّل بأزمات عام 2020 الذي حمل ايضا بداية الانهيار المالي والتعثر الاقتصادي والتفاقم المعيشي والاجتماعي، ولن يأملوا بتشكيل حكومة جديدة وفق الاشتباك السياسي - الدستوري الداخلي، وهم يتخوفون من رفع الدعم عن الدواء والمحروقات والطحين فتنهار قدراتهم الشرائىة وهو ما يتحدث عنه خبراء المال والاقتصاد، اذ لن يقبل الرئىس حسان دياب الذي يصرف اعمال الحكومة، بأن يتخذ قرار رفع الدعم وتقبل بترشيد الانفاق ويعمل بموجبه وهو يترك الامر الى حكومة جديدة تحمل المسؤولية امام الشعب الذي لا يبدو، بأنه نضج وعيه للتغيير، بدليل ان القوى السياسية والحزبية، هي من تمسك بالسلطة وما زالت، بالرغم من الحراك الشعبي، الذي فشل في تحقيق اي انجاز باتجاه اسقاط الطبقة الحاكمة.