هناك مثلٌ شعبيٌّ يقول "جحا مش شاطر إلّا عخالتو" يمثّل واقع حال اللّبنانيين اليوم، فهم "مش شاطرين" إلّا على بعضهم بعضًا. في ظلّ الحجر المنزلي بضع دقائق نمضيها بمتابعة منصّات التواصل الإجتماعيّ أو وسائل الإعلام كفيلة بإظهار حالة التشنّج التي يعيشها اللبنانيّون اليوم، فأضف إلى سنةٍ طويلةٍ من وباءٍ عالمي، وتبعات الإنفجار المجزرة، والأموال المنهوبة، والكارثة الإقتصاديّة التي عبثًا يحاول اللبنانيّون التصدّي لها، والإستفزازات الإسرائيليّة اليوميّة في أجوائنا، وأمننا المفقود، والشلل السياسيّ والخدماتيّ، يعيش لبنان اليوم "السيناريو الإيطاليّ لكورونا". ولكن عجبًا أمرنا نحن اللبنانيّون، مع كلّ هذه المصائب المضنية، لا نفوّت فرصةً لننقضّ على بعضنا بعضًا، نتراشق التهم، نتبادل الشتائم، نجلد فنّانًا هنا أو نقيبًا هناك وكأنّهم المسؤولون عن كلّ ما آل إليه لبنان في الثلاثين سنةٍ الماضية، نفتح المعارك "الإفتراضيّة" هنا وهناك، متلهّين عن معركتنا الحقيقيّة، وغريمنا الحقيقيّ.

لكن قبل الدخول في ذلك، إسمحوا لي بفتح مزدوجين هنا في ما يخصّ إعادة فتح المحال والمطاعم والملاهي في لبنان خلال فترة الأعياد. لا أفشِ سرًّا إن أخبرتكم أنّ الأكثريّة الساحقة من اللبنانيين تعتاش من القطاع السياحي والخدماتيّ. كلّ هؤلاء، وعلى مدى سنة 2020، فقدوا مصدر رزقهم بشكلٍ كامل، ولا مدّخرات يطعمون ويكسون أولادهم منها، لأنّ شقاء عمرهم محتجزٌ في المصارف اللبنانيّة، أو لربّما السويسريّة.

في دول الغرب المتقدّمة التي نتماهى معها نحن اللبنانيون، نحكي لغتها حصرًا مع أولادنا، نتابع أخبار مشاهيرها، ننشر صورًا لنا فيها على "إنستغرام"، ونعتبرها لنا قدوة، هناك حكومات فرضت الإغلاق على مواطنيها وقاطنيها طوال مرحلة كورونا وخلال فترة الأعياد، نعم، إلّأ أنّها أيضًا حكومات محترمة قدّمت دخلًا بديلًا لرعاياها، وإعفاءات وتسهيلاتٍ في الضرائب والمستحقّات. هل دولتنا اللبنانيّة العتيدة فعلت ذلك؟ لا.

هذه الحكومات المحترمة أيضّا عملت جاهدةً لتأمين أسرّة وأجهزة تنفس لمواطنيها قبل وزرائها ورؤسائها، إذ لا مدينة رياضيّة فيها ولا طبقيّة وسفاهة سياسيّة. هل دولتنا اللبنانيّة العتيدة فعلت ذلك؟ أيضًا لا. كلّ ما فعلته دولتنا أنّها أصدرت الأحكام العشوائية من "مفرد" و"مجوز" وغيرها، وفرضت مراقبةً إستنسابيّة أقرب إلى اللا مراقبة، وحظر تجوّلً ومنع تجمعات، غير أنّ الوزراء والنواب اللبنانيين أنفسهم وأفراد عائلاتهم لم يلتزموا بالتعليمات، والصور ومقاطع الفيديو المنتشرة على وسائل التواصل الإجتماعي من أغديةٍ وأعشيةٍ وتجمّعاتٍ واحتفالات وتزلّجٍ وغيرها شاهدة على ذلك.

الحكومات المحترمة في دول الغرب المتقدّمة، عندما أعادت فتح قطاعاتها لفتراتٍ وجيزةٍ ومتقطّعة، نظمّت هذة القطاعات في ظلّ الوباء. هل دولتنا اللبنانيّة العتيدة فعلت ذلك؟ طبعًا لا. أضف إلى ذلك، أزمةٌ جديدةٌ تظهر اليوم مع الإقفال العامّ في لبنان، إذ إنّ المصرف المركزي متوقفٌ عن إكمال معاملات الشيكات، ما يشكّل إستحالةً على أصحاب العمل ومؤسساتهم التي تتلفّظ أنفاسها الأخيرة من قبض مستحقّاتهم ودفع أجور موظّفيهم.

إذًا يا سادة، يا شعب لبنان العظيم، بدل جلد الفقير الذي يعمل بكرامته لتحصيل لقمة عيش أطفاله، والذي يساهم في تحريك ما تبقّى من عجلة اقتصادنا المهترئة أصلًا، وبدل الإسراع في إطلاق الأحكام وإنزال أشدّ العقوبات ببعضنا بعضًا دون أحكام تخفيفيّة، فلنصوّب مسار البوصلة، ونضع المسبّب الحقيقيّ للمستنقع الذي نغرق فيه اليوم نصب أعيننا. بدل أن ننقضّ على من يغرق معنا بحجّة أنّه يحتلّ المساحة الأكبر من المستنقع، أجدى بنا أن ننقضّ على من رمى بنا في المستنقع ومرّغ أنوفنا وأنوف أهالينا بالوحل، وهؤلاء يا سادة، معروفون منذ ثلاثين سنةٍ وأكثر.