غداة انتهاء الجولات الدموية، والمبرمجة، بين بؤساء جبل محسن وبؤساء باب التبانة، طفت في مدينة طرابلس بين الأحياء التي الناس فيها تحت خط العدم، والأحياء التي فيها الناس فوق خط الحياة. كثيرة هي مدن العالم الثالث التي لا تدري فيها ما اذا كنت في الجنة أم في جهنم...

في أحد الأحياء، شاهدت امرأة في الهزيع الأخير من العمر. كانت جالسة عند مدخل منزل مهدم. في احدى النوافذ قطة كئيبة يبدو وقد ضاقت ذرعاً بضيق الحال. سألت العجوز عن أحوالها. قالت «أنا هنا وحيدة في هذه الخربة. عندي شاب قتل في باب التبانة، وابنة متزوجة من عاطل عن العمل في مخيم البداوي».

وقالت «أنا وهذه القطة التي باتت معيلتي الوحيدة». كيف؟ اجابت «الجيران يأتون اليها ببقايا الطعام، وأنا اشاركها في البقايا. تصور أنها تنبهني، بموائها، الى أن المائدة باتت جاهزة. لشدة تعلقي بها أسميتها «أم فاروق» تيمناً بجارة لي هاجرت مع عائلتها الى السويد»!

معذبو طرابلس. كما لو أنهم «معذبوالشموع» في ريو دي جانيرو، بحسب تعبير خورخي آمادو، صاحب «قباطنة الرمال». في هذه الرواية، الفقراء يولدون موتى ويعيشون أنصاف موتى. هذا اذا ما علمنا أن اجرة المقاتل لكي يقتل ويقاتل لحساب زعماء البلد، كانت 10 دولارات في اليوم. الموت هكذا من أجل سندويتش الفلافل...

هذه ليست قصة الفيحاء فحسب. مهراجات الجمهورية ينظرون الى الفقراء، بتلك العيون الخشبية، ونحن ننتقل من الدولتشي فيتا الى الفتات. ملايين اللبنانيين سيصبحون ضيوف شرف على الأطباق الفارغة. سفربرلك عائدة لامحالة. آنذاك كان الجوعى يبحثون عن حبة الشعير في روث الأحصنة، والبغال، العثمانية!

مهرجو الجمهورية في مكان آخر، في زمن آخر. أحدهم لا يكف عن الشكوى من ضآلة المخصصات المالية التي تصل اليه من احدى السفارات. لا يزال الوقت مبكراً للحديث عن غياب الكافيار والنبيذ.

كم نبدو سذّجاً حين نراهن على استعادة الأموال المنهوبة، وحين نراهن على تخيلات «رئيس حكومة المنفى» عمر حرفوش الذي أحاطنا علماً بأنه مليونير وليس مليارديراً. تشرفنا يا دولة الرئيس!

ذلك المرجع السابق الذي تحوّل، بين ليلة وضحاها، من شخصية مصنوعة من الذهب الى شخصية بحذاء ذهبي، قال، في حلقة ضيقة، «قد يكون علينا أن نحزم حقائبنا لأن آيات الله قادمون».

صدم لتعيين روبرت مالي، مبعوثاً أميركياً الى ايران، وهو عالم السياسة الذي يعتبر من كبار المختصين في «النزاعات المستحيلة». وكان قد قاد الفريق الأميركي الى المفاوضات التي افضت الى الاتفاق النووي.

في نظره أن رفع العقوبات عن ايران أشد خطورة من حيازتها القنبلة النووية. هكذا، بالنفط والغاز، ستصبح دولة ثرية، كون السلطة هناك تعرف كيف توظف مواردها في بناء اقتصاد أمبراطوري، بكل ما لذلك من تداعيات جيوسياسية، وجيوستراتيجية.

وكان قد سمع من مسؤول عربي كبير قوله «اذا ما رفعت العقوبات، واذا لم تشن اسرائيل حرباً للحيلولة دون ذلك، فقد تبتلع ايران المنطقة العربية، ربما بـ«رعاية أميركية». في هذه الحال «أنا وآخرون من الساسة، نرى أن نتنياهو، أو اردوغان، أفضل من نصرالله...».

اذاً، ذلك الرهان الغبي على خطط آفيف كوخافي التي كشف عنها أخيراً والتي تعني ما تعنيه في هذه الأوقات الضبابية. ألا يعني ذلك حرباً لاتبقي ولا تذر؟ لعل المثير أن الساسة في اسرائيل أكثر حذراً حيال النتائج الكارثية أكثر من الكثيرين من أهل السياسة في لبنان.

هذا مع اقتناعنا بأن غالبية اللبنانيين ترى الهوة الثقافية، والهوة التاريخية، وحتى الهوة السيكولوجية، بيننا وبين ايران. اقتناعنا أكثر بشخصية «السيد» الضنين (بالدم) بتراب لبنان، وبعروبة لبنان، وان كنا نرى أن العروبة لم تعد تصلح حتى علفاً للدجاج..

اذا كان ذلك النوع من «العباقرة» هو الذي يحكمنا، وهو يحكمنا فعلاً، لا بد أن نتحسر على سفربرلك لأن صندوق النقد الدولي آت أت. وقد لا نعثر على حبة الشعير في روث البغال...