سجلت في الآونة الأخيرة تنامي حالات الهجرة اللبنانية الى تركيا بشكل لافت، الى درجة أن عائلات من طرابلس ومن عكار والمنية والضنية، قررت الانتقال للعيش والاقامة في تركيا، التي قدمت كل اشكال التسهيلات للبنانيين، لا سيما لابناء الشمال الذين سبق لهم ان اقاموا علاقات صداقة مع وفود السفارة التركية الى مناطق الشمال، ونسجت علاقات متينة مع العائلات ذات الاصول التركية والتركمانية، خاصة في بعض احياء طرابلس، وفي عكار حيث لا تزال بلدة بكاملها تتداول في حياتها اليومية اللغة التركية والعادات والتقاليد التركية وكأنها احدى بلدات تركيا، وتحظى هي والعائلات ذات الاصول التركية رعاية استثنائية من السفارة التركية، ومن ثم وفرت التسهيلات للهجرة الى تركيا، اثر الازمات المعيشية والاقتصادية التي ارخت بأثقالها على الشمال وعائلاته واصطدام العائلات بمشاكل معيشية خاصة اتساع رقعة البطالة وشبه انعدام فرص العمل، واقساط المدارس والجامعات المرتفعة بينما فتحت تركيا ابوابها ووفرت اغراءات للانتقال الى الاقامة فيها، وابرز هذه الاغراءات منح الجنسية التركية لذوي الاصول التركية والتركمانية، وافساح المجال لتملك منازل باسعار زهيدة لا تتجاوز الخمسين ألف دولار ينال على اساسها اللبناني الجنسية التركية.

إضافة الى ذلك فقد قدمت تركيا نفسها على انها راعية السنة في لبنان، وعيون ادارتها على سنة الشمال فمدت اليد اليهم،وكان كافيا لتشجيع اكثر من 3500 عائلة للانتقال الى اسطنبول والاقامة فيها.

لم تنف مصادر مسؤولة في القنصلية اللبنانية في اسطنبول ان اعداد اللبنانيين المهاجرين الى تركيا مستمرة وبوتيرة متزايدة، فتشكلت اللجان والجمعيات منها رسمية وغير رسمية، لكي تولي اهتماما كبيرا بالمهاجرين.

 اللبنانيون ذهبوا الى تركيا لانها لا تحتاج الى «فيزا» 

«جمعية الثقافة والصداقة اللبنانية التركية» (توليب) تعتبر الجمعية اللبنانية الوحيدة المرخصة، يكشف رئيسها دكتور الاطفال وحديثي الولادة وسيم بكراكي، ان الجمعية بعد تواصل مستمر مع اللبنانيين القادمين للاستقرار في تركيا، لوحظ انه ليسوا جميعهم نجحوا في تحقيق الاستقرار والاستمرار في تركيا، فهناك عشرات العائلات عادت الى لبنان مع خيبة امل كبيرة، واخرون رغم الصعوبات الكبيرة التي واجهتهم استقروا في تركيا، ويرون انفسهم بافضل حال من السابق.

وقال بكراكي، ان معظم اللبنانيين هم من شمال لبنان قصدوا اسطنبول للعيش فيها، وليس هناك من ارقام رسمية حقيقية لاعدادهم، لكن هذا البلد الجميل من قصده يرى فيه البلد الذي يعطيه الاستقرار لتحسين ظروفه الاقتصادية، وعندما يصلون يصدمون لان ارض تركيا ليست مفروشة بالحرير وعلى الجميع التزام القانون والبحث عن عمل ليعيش.

ولفت بكراكي الى انه يعيش في تركيا، اكثر من خمسة ملايين عربي منهم عدد كبير من اللبنانيين، لذلك المنافسة كبيرة وشرسة في بعض الاحيان منهم من ينجح ومنهم من يفشل، واعتبر ان اللبنانيين قصدوا تركيا لان الدخول اليها لا يحتاج الى فيزا ودون الحاجة الى اقامة لكنها مؤقتة لمدة ثلاثة اشهر. بعد ذلك عليه ان يكون وجوده شرعي وهنا تبدأ رحلة المتاعب، وقال ان الذين يقصدون تركيا لعدة اهداف منهم الطلاب وعائلاتهم وللتجارة والمغتربين.

وتعتبر مدرسة لويس اللبنانية اهم مدرسة لهم، حيث يتعلم معظم ابناء الجالية اللبنانية وهذه المدرسة لها فروع في لبنان ودول عربية وعملت جمعية توليب على توفير منح طلابية للعشرات نظرا لظروف كل عائلة.

وتابع بكراكي: ان هناك عشرات العائلات التي تعمل في دول اجنبية ارسلت الزوجة مع الاولاد للاستقرار وهو يرسل لها حاجتها من المال، واخرون وجدوا فرص عمل لكن لم توفر لهم ما كانوا يطمحون له حيث يسكن اغلبية اللبنانيين في ضواحي اسطنبول: «ليسينيور» و«بشب شهير» و«كغتهانم» وهي مناطق في الضواحي ايجار وشراء المنازل فيها تعتبر رخيصة جدا حيث يمكن شراء المنزل بمبلغ يتراوح بين 40 و 50 الف دولار اميركي، بعكس قلب المدينة التي يعجز عن السكن فيها من غير الاثرياء.

 الجالية وزعت اولادها على 15 مدرسة عربية 

ويؤكد انه من بين هؤلاء اللبنانيين الذين وصلوا الى تركيا، واسسوا اعمالا حرة كانشاء مصانع او مطاعم وهم قليلون، لانهم يحملون رأس المال وهناك حالات وهي التي واجهت مشكلات كبيرة هي التي باعت منزلها لتستقر في تركيا، لكن هناك عصابات لبنانية تعمل على استغلال هؤلاء فهناك حالات سرقة الاموال التي كانت بحوزتها وحاولت الجمعية والقنصلية تقديم المساعدات لكن هذه الحالات زادت في الفترة الاخيرة لذلك لا يمكن مساعدة الجميع.

ولفت الى ان هناك عائلات عادت الى لبنان بعد خيبة امل كبيرة، في المقابل يصل غيرهم العشرات وتبقى المشكلة فيمن لا يملك دفع ايجار منزله، حيث كانت الجالية اللبنانية تساعد في السابق هذه الحالات لكن هذه الاعداد زادت كثيرا وصلت الى مرحلة لا يمكن مساعدة الجميع.

واشار الى ان اكثر الحالات التي عانت هي التي كانت مقصدها الهجرة الى اوروبا، لكن بسبب كورونا أغلقت حدود اليونان فعلقوا في تركيا وكان البعض منهم قد مزق جواز سفره، فوضعه هذا الامر في مشكلة مع السلطات التركية فزج بهم في السجون الى حين ترحيلهم الى لبنان من جديد.

وقال بكراكي ان الجمعية تتواصل مع الجالية اللبنانية عبر انشاء مجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي، واقامة الانشطة الثقافية والاجتماعية لتعريف الناس ببعضهم البعض، لافتا الى ان اللبناني يتعلم اللغة التركية بسرعة بعكس الجاليات العربية الاخرى. وقال ان هذه المواقع تتيح المشاركة والتواصل حتى ان البعض يفتح الجدال السياسي العقيم كأنه ما يزال يعيش في لبنان.

وقال، ان الجالية اللبنانية وزعت اولادها على 15 مدرسة عربية وذلك بعد الحصول على حسومات تصل الى 40% لافتا الى ان المتعلم لديه فرصة اكبر في الاستقرار وصاحب رأس المال ومن لا يملك المال يعود من حيث اتى، ولفت الى ان السبب في قصد تركيا هي انها قريبة فساعة ونصف الساعة بالطائرة تحط في اسطنبول وثلاثة اشهر دون اقامة كافية لافساح المجال لكل القادمين في ترتيب اوضاعهم، لذلك فان القدوم سهل لكن الاستمرار بدون المال صعب. واصعب الحالات هي التي باعت كل ما تملكه في لبنان وخسرت هنا كل شيء لكن بسبب الظروف السياسية الصعبة يستمرون في العيش وتلقي المساعدات من الجالية اللبنانية، لكن حتى السلطات التركية في الاونة الاخيرة شددت من اجراءاتها.

ويكشف بكراكي ان عدد المنتسبين للجمعية اكثر من 3500 لبناني وقال ان هناك جمعيات لبنانية اخرى لكنها غير مرخصة.

وتحدث عن احدى الحالات الصحية التي عانت بسبب فاتورة الاستشفاء الباهظة حيث ان احدى السيدات اللبنانيات بعد ان وضعت مولودتها اضطرت الى وضعها في الحضانة، وبعد ايام استحق عليهم دفع مبلغ 36 الف ليرة تركية بما يساوي الخمسة الاف دولار وعملت الجمعية مع الجالية البنانية على تخفيض هذا المبلغ الى 1500 دولار اميركي، واللافت في الامر ان هذا المبلغ يتم تقسيطه على دفعات تسهيلا للمواطن في الدفع. واحيانا هناك اشخاص يتبرعون بالمبلغ كاملا.

وذكر ان من يخالف القوانين يتم ابعاده عن تركية مدة تترواح ستة اشهر وصولا الى خمس سنوات وذلك حسب المخالفة للقانون.

ومؤخرا تشهد الجالية اللبنانية اهتماما واسعا بتشجيع الصناعة اللبنانية والحرفيات والحلويات وغيرها من الصناعات التشجيعية حيث تشهد شوارع تركية اقبالا كثيفا على المطاعم اللبنانية التي لاقت رواجا حتى بين الاجانب واشهرها مطاعم الفلافل والفول والحمص والاكلات اللبنانية التراثية. وكذلك هناك من يهتم نهار الجمعة بترجمة خطبة الجمعة لمن لم يتقن اللغة التركية.

 المعيشة اختلفت بعد انخفاض الدولار 

الاعلامي اسامة الشاتي يعمل في قناة «الجزيرة» وهو ابن طرابلس يعيش مع زوجته واولاده منذ سنوات في اسطنبول يقول ان اللبناني يبحث عن اي فرصة للهجرة من لبنان، فوقع اختياره على تركيا لاسباب عديدة ابرزها الصعوبات التي يواجهها المهاجر الى اوروبا وكندا والبرازيل اما تركيا فيمكنه الوصول دون فيزا وسهولة دخول البلد كأننا نزور سورية واسعار البطاقات التي لا تتجاوز 150 دولار.

لكن ما جرى مؤخرا هو ان المعيشة في تركيا اختلفت على الكثير من اللبنانيين بعد انخفاض سعر صرف الدولار امام الليرة اللبنانية لما احدثته هذه الفروقات من انعكاسات على بعض العائلات اللبنانية التي تعيش من رواتب التقاعد حيث يوجد الكثير من عناصر الجيش اللبناني وقوى الامن الداخلي ومدرسين احيلوا الى التقاعد فقصدوا تركيا للاستقرار، وكانت قيمة رواتبهم حينذاك اكثر من 1500 دولار اميركي اما اليوم فقيمتها لا تتجاوز الـ250 دولار فانقلبت حياتهم 90 درجة من حياة رغيدة الى حياة تعيسة ما اضطر بعضهم العودة الى لبنان خصوصا من كان يدفع اقساط منزله فباعه وعاد الى لبنان.

وقال هناك من حضر الى تركيا بهدف تعليم اولاده في الجامعات، والمعروف انها اوفر من لبنان اضف الى ان بعضها من الجامعات المتميزة في العالم وكل الاختصاصات متاحة وبسبب ارتفاع اقساط المدارس والجامعات في لبنان، كانت تركيا الملاذ الوحيد امامهم، وغيرهم هرب من لبنان لاسباب سياسية وامنية واخرون نجحوا بالاستثمارات خصوصا من كان مستثمرا في لبنان حكما ينجح في تركيا.

يقول الشاتي انه قبل عام 2015 كان عدد اللبنانيين المقيمين في تركيا لا يتجاوز الخمسين شخصا، وكان هذا العدد سببا في حرمانهم من المشاركة في الانتخابات النيابية الاخيرة ، لانه لا يمكن فتح صندوق لناخبين اقل من خمسين اما اليوم يوجد اكثر من 1300 عائلة وعدد افرادها اكثر من 3500 شخص ولا يوجد في السفارة او القنصلية ارقام دقيقة، لكن هناك ارقام تقول انه في السنتين الاخيرتين دخل الى تركيا اكثر من مئة الف شخص، بقي بعضهم وعاد الكثير منهم وغالبية من بقي في تركيا هم من شمال لبنان وتحديدا من الطائفة السنية، علما انه يعيش في تركيا الدرزي والشيعي والمسيحي والارمني لكنهم الاقل عددا. وهناك توقعات بوصول المزيد، وربما اضعاف الارقام الموجودة، خصوصا ان هناك العشرات يتصلون ويسألون عن طبيعة الحياة في تركيا ليكون انتقالهم سهلا.

وقال ان في تركيا 75 اعلاميا لبنانيا يعملون في وسائل اجنبية ومحلية، وهؤلاء يعيشون مع عائلاتهم واولادهم في المدارس والجامعات التركية.

وأضاف الشاتي ان الليرة التركية شهدت ارتفاعا مع سعر صرف الدولار، لكن بوتيرة لا يمكن ان تترك اثارا سلبية كما في لبنان ففي عام 2014 كان سعر الصرف 1.8 اما اليوم اصبح 3.7 وتدفع الحكومة التركية فروقات المعيشة هذا بالاضافة الى تأمين الطبابة والتعليم، ومن يعيش من لبنانيين في تركيا دون ان يكون عنده تحويلات خارجية لا يشكل عليه اي ضائقة اقتصادية ويعيش اسوة بالاتراك.

 الحياة رغم صعوباتها افضل من العودة الى لبنان 

واعتبر ان اللبنانيين المقيمين في تركيا قبل سنوات وضعهم الحالي افضل ممن قدم حاليا ومن يتقاضى بالدولار ما زال وضعه جيدا اما من يعتمد على ما يصله شهريا من لبنان من راتبه التقاعدي لا يمكن ان يستمر الا في حال كان موظفا.

اما عن اللبنانيين الذين كانوا ينوون التوجه الى اوروبا، فقد تم احتضانهم من قبل الدولة التركية في فندق قديم لمدة، ثم من سويت اوراقه عاد الى لبنان ومن اصيب بكورونا تمت معالجته في مستشفيات تركية، وكذلك كبار السن كان لهم رعاية خاصة، حتى الطعام كان يصلهم ثلاث وجبات يوميا. لكن ما اقترفه بعض هؤلاء المهاجرين من مظاهرات اساؤوا حتى الى المقيمين حيث تصرفوا بطريقة سيئة فاثاروا الشغب زج بعضهم في السجن واخرون تم ترحيلهم حتى القنصلية لم تقصر حيث قدمت مساعدات كثيرة رغم الوضع المالي الصعب الذي حل بهم منذ سنة.

وظهرت كذلك بعض الحالات من اللبنانيين الذين ساهموا بتحسين ظروف البعض حيث نقل بعض التجار مصانعهم من الصين الى اسطنبول، وكان للبنانيين الحصة الاكبر في العمل في الوقت عينه بعض المطاعم اللبنانية حلت عليهم كارثة بسبب كورونا أقفل بعضها، واخرون يحاولون انقاذ ما بقي لكن مع هذا كله يرون ان الحياة رغم صعوباتها افضل من العودة الى لبنان.

كما وجد اللبنانيين في تركيا فوارق كبيرة في الاهتمام لناحية من اصيب بكورونا حيث يهتم القائمقام شخصيا بالمصابين ويزورهم ويتفقد اوضاعهم ويؤمن لهم الدواء والطعام وباشراف لجنة صحية كأنه مواطن تركي مع اجراء الفحوصات المجانية.

ويقول احد المتقاعدين من الامن العام انه عاد الى طرابلس بعد خمس سنوات امضاها في تركيا، وسبب عودته انه لا يعمل وراتبه التقاعدي فقد قيمته ولم يعد يؤمن له حياة جيدة، لأنه يملك منزلا في طرابلس اعتبر ان عودته خير له ولعائلته، ولو كان اصغر سنا ما فكر بالعودة، لكن عمره لا يسمح له ان يعيش حياة صعبة خصوصا انه يحتاج الى دواء دائم وهنا يمكنه توفير علاجه مجانا.

وهناك شبان من الشمال تركوا زوجاتهم واطفالهم في لبنان وتوجهوا الى اسطنبول، بعضهم يقيم في منازل اصدقائهم ريثما يتوفر لهم عمل لاستئجار منزل، واخرون بانتظار استقرارهم لسحب عائلاتهم فوراً رغم الظروف الصعبة التي يواجهونها، لكنهم حتما، كما اكد البعض، لن يعودوا الى لبنان.