في ظل الإعتبارات التي تبرز على المستوى المحلي نتيجة عودة حركة الديبلوماسيين العرب في بيروت، تتوضّح يوماً بعد يوم لوحة العلاقات العربية ـ الأوروبية التي بدأت تتشكّل في ضوء ما يشبه البرودة والفتور في التعاطي الأميركي لإدارة الرئيس جو بايدن مع الملفات الإقليمية، وفي مقدّمها حرب اليمن والملف النووي الإيراني. ومن شأن هذه الإعتبارات أن تؤدي إلى مقاربات جديدة للروزنامة العربية، كما الفرنسية، على الساحة اللبنانية، كما يقول سفير سابق في واشنطن، والذي لاحظ أن عودة الإتحاد الأوروبي إلى المنطقة من خلال الزيارة المرتقبة نهاية شباط الجاري للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المملكة العربية السعودية، سوف تشكّل مقدّمة لمشهد جديد يختلف ويتأثّر بطبيعة هذه العلاقة المستجدّة، والتي تبدو وكأنها حاجة بعدما أعطت إدارة بايدن إشارات سلبية باتجاه الرياض، وذلك بعد أسابيع معدودة على وصولها إلى البيت الأبيض، وهي في ذلك توجّه رسالة قوية إلى كل من يهمّه الأمر بأن مرحلة ترامب قد ذهبت إلى غير رجعة، وذلك بصرف النظر عن كل المواقف الداعمة للسعودية وحقّها بالدفاع عن نفسها وحماية أراضيها.

وإذا كان من المبكر الحديث عن جدول أعمال الرئيس الفرنسي في الرياض، فإن عنوانين يتقدّمان أي نقاش، وهما التعاون الثنائي، والدور والوجود الفرنسي في الخليج، والعلاقات الأوروبية ـ العربية، وصولاً إلى التعاون في كل ما هو مطروح على الساحة الإقليمية، كما على الساحة الدولية، في ظل الحديث الفرنسي عن مشاركة السعودية في المفاوضات المرتقبة بالملف النووي إلى جانب مجموعة الـ 5+1.

وربما الأهم في التحرّك الرئاسي الفرنسي، هو ما سيتسرّب منه إلى الساحة اللبنانية، خصوصاً وأن أي ترجمة للمقاربة الفرنسية للتسوية، لن تظهر قريباً، وأن باريس تعمّدت التعتيم على لقاء الإليزيه بالأمس بين ماكرون والرئيس المكلّف سعد الحريري، وإن كانت سمحت بتمرير أجواء عن بوادر مرونة لها علاقة بالديبلوماسية الفرنسية في المنطقة، وليس بالضرورة بالمواقف اللبنانية المتشدّدة إزاء أي حل حكومي. وفي هذا الإطار، يكشف السفير السابق، أن هناك تجاوزاً سوف يسجّل في المبادرة الفرنسية من حيث عدد الوزراء وتسميتهم، ولكن ما زالت الثوابت موجودة، وهي تنص على رفض حصول أي فريق سياسي على الثلث المعطّل أولاً، ووضع فيتو على أي وزير يكون بمثابة الواجهة فقط للجهة السياسية التي رشّحته ثانياً.

وعليه، فإن الثلث المعطّل ما زال الأساس في عملية تأليف الحكومة، وأي حلحلة خارجية سوف تنجح فرنسا بالتوصّل إليها، ستنعكس بشكل مباشر على هذا الموضوع، خصوصاً في ظل الكلام الدائر في الكواليس عن التنازلات والحقوق. ويوضح السفير نفسه، أن باريس ما زالت تنشط في مهمة تدوير الزوايا من حيث اختيار الشخصيات الوزارية التي تتمتع بهامش كبير من الإستقلالية عن الأحزاب والقوى السياسية التي رشّحتها، مع العلم أن ما جرى تسريبه إلى الإعلام منذ أسابيع عن بعض المرشّحين، قد شكّل صدمة للرئيس ماكرون لأنها لا تتطابق مع الدور المنوط بالحكومة العتيدة.

ويخلص السفير السابق ذاته، إلى التأكيد بأن ما سُجّل من خطوات في العاصمة الفرنسية، قد أدّى إلى ترطيب الأجواء على الساحة اللبنانية، من دون أن يستعجل عملية تشكيل الحكومة التي ما زالت معلّقة حتى إشعار آخر.