عمّقت التطورات الأخيرة من تفاعل الخلافات السياسية والإنقسامات بين المكوّنات كافة، ولا سيما أن ما حصل في الأيام الماضية أعاد بالذاكرة إلى مرحلة العام 2005، ومن هذا المنطلق، فإن بعض الزعامات والقوى السياسية والحزبية لديهم مخاوفهم وقلقهم من أن ينسحب الخطاب المذهبي والطائفي على الشارع، وعندئذٍ ثمة صعوبة لإعادة ضبطه، وهذا القلق يعتري على وجه الخصوص رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط، إذ يُنقَل عنه، وفق معلومات موثوقة، بأنه، وبمعزل عن كل الخلافات والتباينات السياسية والإنقسامات الحادة بين معسكرين في البلد، يعمل على أمن واستقرار الجبل، وقد أوعز إلى قادة حزبه ومناصريه بعدم الردّ على «لقاء خلدة» الأخير، وإن اعتبره البعض، وذلك حقيقة، بأنه رسالة من بعض الأطراف له، وخصوصاً عبر المطالبة بوزير درزي ثان يكون محسوباً على الفريق الدرزي المناهض للمختارة، وكل ما جرى من لقاءات وزيارات من قبل البعض على خطوط مرجعيات رئاسية وحزبية، إنما صبّ في هذه الخانة، وحظي بدعم من مرجعية رئاسية وأخرى حزبية، لعدم حصر الميثاقية الدرزية لدى جنبلاط.

وفي هذا السياق، فإن رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي، والذي دعم ثوابت ومواقف البطريرك بشارة الراعي قبل تجمّع السبت في بكركي وخلاله، فلديه، وفق المعلومات، بعض العتب على أمور معيّنة كان يمكن تجاوزها في خضم ما يجري في البلد والمنطقة، وصولاً إلى أن الفريق الآخر ينتظر ذرائع ليمسك أكثر بمقدّرات البلد ومؤسّساته، ولكن جنبلاط واضح في دعمه للحياد، وما موقفه الأخير تجاه ما تعرّضت له السعودية من قصف صاروخي، إلا المؤشّر والدليل على أنه متّجه إلى قطع الخطوط مع العهد وتياره وداعميه، ولكن ذلك، لا يعني بأن يكون هناك عدم توافق على أمن الجبل واستقراره، وعلى أمن البلد بشكل عام، وتحييد الصراعات السياسية وحصر الأمور بمعالجة جائحة كورونا والأوضاع الإقتصادية والمعيشية، وحيث لم يفاجأ المقرّبون منه، بأنه سبق له وأن تخوّف من ارتفاع الدولار بشكل جنوني، وبالتالي، فإن ما حصل بالأمس في موضوع تدهور العملة الوطنية، وما قد يحدث لاحقاً على الصعد الإجتماعية والمعيشية والمالية، فذلك مؤشّر خطير، ربما يؤدي إلى انفجار الغضب في الشارع، ودخول أطراف سياسية وغير سياسية على خط حركة الإحتجاجات، دون أن تُعرَف نتائج هذه التحرّكات، والتي من شأنها أن تتحوّل إلى هَرج ومَرج وكَرّ وفَرّ، على غرار ما حصل في بدايات الحرب الأهلية، لا سيما وأن البلد مكشوف أمنياً، وليس هناك من سلطة وحكومة قادرتين على معالجة هذه الإنهيارات، وذلك ربطاً بعدم تنفيذ المبادرة الفرنسية، حيث يعتبرها رئيس الحزب الإشتراكي، مبادرة كان من شأنها أن تنقذ لبنان من أزماته السياسية والإقتصادية والمعيشية، وهي الوحيدة القادرة في هذه المرحلة على خلاص لبنان، وإعادة إنهاضه من الأزمة الإقتصادية الخطيرة التي يعيشها، ولكن البعض في السلطة وغيرها، عرقل هذه المبادرة وعطّلها.

وأخيراً، وأمام هذه الوقائع، فإن سيد المختارة، وبعدما انزعج البعض من نصائحه المتتالية للرئيس المكلّف سعد الحريري بضرورة عدم تشكيل، أو القبول بتأليف الحكومة، في هذا العهد، فإنه لا يريد أن ينصح الحريري بعد اليوم في هذه المسألة، وإن كان مصرّاً على صوابية موقفه، لكن علاقته مع الحريري ممتازة وقدّر له وقوفه إلى جانبه من خلال رفضه رفع عدد الوزراء ليكون هناك درزي آخر من الفريق الذي يخاصم جنبلاط، وبالتالي، التواصل بينهما قائم وإن كان ثمة تباينات سياسية حول بعض الملفات.