نسأل ميشال عون (ولم تعد تعنينا الألقاب)، ونسأل سعد الحريري (ولم تعد تعنينا لا الثروات ولا الزيارات)... لماذا أنت، ولماذا أنت، هناك ؟!

فلتقفل أبواب (وأفواه) قصر بعبدا بالشمع الأحمر، ولتقفل أبواب (وأفواه) بيت الوسط بالشمع الأحمر. على الأقل لكي تتوقف أوديسه الرحيل الى جهنم ان لم نكن قد أصبحنا في الطبقة الدنيا من جهنم...

هل تناهى الى رئيس الجمهورية، وهو المثقف الذي كان يشارك الجنود علبة السردين، وكان مثالاً للتقشف والنزاهة، توصيف تيار دو شاردان للسياسي الذي يخسر قلبه وهو على الكرسي، والى أي مدى يستطيع الرئيس المكلف الذي يردد اسم أبيه حتى وهو يطبخ البابا غنوج، أن يتجاهل طيف رفيق الحريري حين يدعوه الى أن يحزم حقائبه، ويرحل الى أي مكان لأنه لا يعلم ماذا يعني، والى أي مكان يمكن أن يصل أنين الجوعى.

ليس كلاماً في الغضب، في ما هو أشد من الغضب، وليس كلاماً في الثورة، وقد جعل منا مهراجات الطوائف، آلهة الطوائف، حطباً بشرياً جاهزاً للنزول الى الخنادق، لا من أجل رغيف الخبز، وانما من أجل أصحاب القباقيب الذهبية الذين يمتطون ظهورنا، بل وأرواحنا.

من لم يعلم بما تردده زوجة وزير كان يمشي حافياً على أرصفة الحمراء من أن صاحب المحل الباريسي الفاخر قال لها «هذا الحذاء لن تريه حتى في قدمي أميرة موناكو « ؟

غريب ألاّ يرى هولاء من أبراجهم العاجية ما ينتظر الناس من بلاء عظيم حين يحلق الدولار على صهوة ثور مجنح، وحين يتلاشى احتياطي المصرف المركزي، وحين يغدو سعر الليرة اللبنانية، ولطالما كانت تناطح العملة الخضراء، أقل من سعر الشيلن الصومالي.

الحكومة لم تعد تعنينا ما دامت صنيعة (وفضيحة) هذا الطراز من القادة. لعل صندوق النقد الدولي الذي هو خشبة الخلاص الوحيدة سيجعلنا نفعل مثلما فعل آباؤنا ابان سفربرلك حين كانوا يبحثون عن حبة الشعير في روث الأحصنة، وحتى في روث البغال.

بالرغم من كل تلك الأهوال، والأرض تميد بنا وبهم ما زال الجدل حول الصلاحيات على قدم وساق. أي معنى للصلاحيات، وأي معنى للمقامات، اذا كان اللبنانيون يهبطون، وبايقاع مروع، ليس فقط الى ما دون خط الفقر. الى ما دون خط الحياة. ربما الى ما دون خط الموت؟

حتى في باريس لاحظوا أن ثمة فارقا بين لبنان الوطن ولبنان الدولة. هذا ليس فقط بلد العتابا والميجانا، ولا بلد الصراع بين طرابيش الباريزيانا وطرابيش الكيت كات. ثمة ظاهرة كان يمكن أن تزعزع كل العفن الذي في البنى القبلية والطائفية لمجتمعات المنطقة، واغتيلت على أيدي بنيها، اذا كان لأحد أن يقرأ ما كتبه ايرفيه دو شاريت...

وزيرالخارجية الفرنسية السابق (وكان دوره رائعاً عقب مجزرة قانا) قال أن المسؤولين اللبنانيين يعيشون في كوكب آخر بعدما فقدوا أي اتصال بالقاعدة التي لم تعد تعرف أين تلقي بها الرياح. لاحظ أنه منذ اتفاق القاهرة عام 1969، سلًم أولئك المسؤولون مفاتيح الدولة الى الآخرين، ولا تزال، حتى الآن، في أيدي الآخرين. ..

لا يدري بأي كلمات يصف ما آل اليه لبنان. المشكلة أن الطبقة السياسية مثلما هي غير قابلة للحياة غير قابلة للموت، دون أن تكون هناك امكانية لادارة دولية للبنان بوجود الصراعات الراهنة والتي تنعكس بصورة كارثية على الوضع المستقبلي لهذا البلد.

من زمان، والدولة في مأزق الدولة. لا خطط، ولا استراتيجيات. ادارة أورويلية للدولة (نسبة الى جورج أورويل)، وحيث التقاطع الدراماتيكي بين التوتاليتارية السياسية والتوتاليتارية الدينية.

الخبراء يتوقعون أن يرتفع الدولار على نحو خيالي. لا أحد يدق على باب القصر الجمهوري، ولا أحد يدق على باب بيت الوسط، ليقول للذين هنا، وللذين هناك، القسطنطينية في انتظاركم. أليس سقوط لبنان سيكون أكثر دوياً، في التاريخ على الأقل، من سقوط القسطنطينية ؟

الكل يحج الآن الى الصرح البطريركي والى دار الفتوى. ربما بحثاً عن حل يأتي من الغيب. لا قيامة. نيتشه قال «كان ثمة مسيح واحد وصلبوه». كان ثمة لبنان واحد وصلبوه...