أرقام مخيفة عن تراكم الثروات للأغنياء وازدياد الفقراء فقراً

تعد الطبقة الوسطى فئة من فئات المجتمع وهي تقع في وسط الهرم الاجتماعي، وبحسب مصطلح عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، فإن الطبقة المتوسطة هي الطبقة التي تأتي اقتصادياً واجتماعياً بين الطبقة العاملة والطبقة الغنية.

في المنطقة العربية الطبقة الوسطى هي أكبر شريحة اقتصادية وهي تضم زهاء نصف عدد السكان. بقي حجمها شبه ثابت بين عامي ٢٠٠٠ و٢٠١١، ثم بدأت تصغر وتتقلص على إثر الازمات التي ألمت بعدد من بلدان المنطقة في العشر أعوام الاخيرة.

في لبنان، ساهمت الأزمة الاقتصادية في تسارع وتيرة تدهور هذه الطبقة، خاصةً أن لبنان يتأثر دوماً بمحيطه سياسياً وأمنياً واقتصاديا، وهو ما يفسر تراجع القدرة الشرائية لهذه الشريحة والأزمات الاجتماعية المتمثلة بزيادة معدل الجرائم بشكل مخيف وبتصاعد وتيرة التحركات الشعبية التي باتت تطال كافة المناطق اللبنانية دون استثناء مترافقة مع تزايد الأزمات في المنطقة العربية عموماً وفي محيط لبنان خصوصاً.

أرقام مرعبة : الأثرياء على ثرائهم وما دون ذلك إلى الفقر!

في تقرير نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأميركية في ٢١ أيار ٢٠٢٠ بعنوان «موت الطبقة الوسطى في لبنان، بلد له تاريخ مدعاة للفخر في التجارة وتبادل الخدمات بدأ يتهاوى نحو فقر دائم» ظهر تاكل القدرة الشرائية لشريحة واسعة من اللبنانيين مترافقةً مع ازدياد نسبة الفقر والبطالة. هذا التقرير لم يكن وحيداً، إذ قامت الدولية للمعلومات بنشر نتائج إحصاء حديث اظهر انه في عام ٢٠١٠ كان هناك ٥% من السكان في لبنان من الطبقة الغنية أو الاثرياء، بينما كانت تشكل الطبقة الوسطى ٧٠% من مكونات الشعب اللبناني ٢٥% من الطبقة الفقيرة، مقسمة الى ١٠% فقر مدقع، اي ان الدخل لا يكفي لتأمين الحد الادنى من الغذاء، ١٥% فوق خط الفقر. هذا المسار اخذ طابع الانحدار في السنوات العشر الاخيرة ليسجل نسبة فقر٥٥ % (حوالي ٢،٢٠٠،٠٠٠ نسمة) مترافق مع تقلص الطبقة الوسطى الى ٤٠% مع ثبات نسبة الاثرياء عند ٥% (حوالي ٢٠٠،٠٠٠ نسمة).

وبهدف الغوص أعمق في هذا الموضوع، تواصلنا مع الخبير الاقتصادي ورئيس حركة «المستقلون» رازي الحاج الذي أكد أن الطبقة الوسطى هي أحد أهم المؤشرات على تعافي الاقتصاد كون أبناء هذه الطبقة ينقسمون بين أصحاب أجور (موظفين) ومبادرين (أصحاب مؤسسات صغيرة ومتوسطة الحجم) وهي نفسها مقسمة إلى ٣ طبقات (الوسطى العليا، الوسطى، والوسطى الدنيا). ارتفاع عدد هؤلاء يدل على ازدهار هذه الطبقة بمقابل تراجع البطالة، ونمو الاقتصاد، وارتفاع الناتج المحلي ومعدلات النمو.

النموذج الاستهلاكي الريعي حفر قبر الطبقة الوسطى 

كانت الطبقة الوسطى في لبنان قبل الحرب كبيرة وتشكل حوالي ٧٠٪، حيث كان القطاع الخاص نشط والقطاع العام صغير نسبياً وبالتالي تمكنت هذه الطبقة من خلق قوة اقتصادية في البلد. بعد الحرب، ساهمت السياسات الاقتصادية المتبعة بإضعاف هذه الطبقة، فحجم الاستهلاك كان أكبر بكثير من حجم الإنتاج كون النظام كان مبني بمعظمه على التمويل الخارجي والذي أدى بدوره إلى دخول العملة الصعبة إلى لبنان وتحويل لبنان إلى اقتصاد ريعي.

هذا النمط الاقتصادي أرهق أبناء الطبقة الوسطى وأدى إلى إيجاد صعوبات لديهم لتأمين الحاجيات، ولكن ما مكنهم من إدارة أمورهم كان التوجه نحو الاستقراض الذي كان خيار متاح من المصارف، ومن ثم الاستمرار بالنهج الاستهلاكي، الأمر أدى إلى تدحرج أبناء الطبقة الوسطى العليا إلى الدنيا، و ١٥٪ مِن مَن كان في الدنيا انزلق إلى اعتاب الطبقة الفقيرة بين عامي ١٩٩٢ و ٢٠١٩.

إذاً التغيير الكبير حصل ضمن الطبقة الوسطى نفسها، حيث بات يواجه اليوم جزء كبير منهم قروض متبقية للسداد، صعوبات مادية، وتعثر في إيجاد فرص للعمل.

هل الافقار ممنهج؟

ويستطرد الحاج مصوباً الحديث نحو الخطر الفعلي الذي يهدد المجتمع وهو أن الأزمة النقدية الناجمة عن النموذج الاقتصادي الذي كان متبعاً أدت إلى تشوه كبير لدى كافة الطبقات، وأخطر ما في الأمر أن الحكومة والخبراء الاقتصاديون يحاولون دوماً تصويب الدعم للطبقة الفقيرة والعائلات الأكثر فقراً، وهو ليس بأمر خاطئ في ظاهره انما في المضمون. فكما تحدثنا سابقاً عن انزلاق ١٥٪ من الطبقة الوسطى إلى خط الفقر، فإنه من غير المجدي أن تتوجه إلى هؤلاء بإعطائهم بطاقات تموينية على سبيل المثال، فهؤلاء كانوا أصحاب أجور ومؤسسات ويجب إيجاد خطة تحفيزية لهم لمنعهم من الانزلاق أكثر ودفعهم إلى التسلق نحو الطبقة الوسطى من جديد وبالتالي للمشاركة مجدداً في الدورة الاقتصادية والإنتاجية.

يشكو الحاج غياب الإحصاءات الدقيقة ولكن يقدر أن ما نسبته ٥٠٪ من اللبنانيين باتوا على اعتاب خط الفقر في العام ٢٠٢٠، ويتخوف من أن يكون ضرب الطبقة الوسطى في لبنان ممنهج، خصوصاً وأنها إذا لم تستعد عافيتها في وقت سريع فإننا متجهون نحو معاناة طويلة الأمد مع الفقر وعدم الإنتاجية كما كانت مصر وتونس والمغرب قبل الإصلاحات لناحية اتساع رقعة الفقر وغياب للتنمية الاجتماعية.

ويختم الحاج بالأمل معتبراً أن لبنان قادر على استعادة نشاطه في حل وجود خطة اقتصادية عمادها سياسات نقدية ومالية واستثمارية، ونحن في حركة «المستقلون» طالبنا بنموذج اقتصادي قائم على مدن اقتصادية متخصصة ومستقلة لتكون وجها جديدا لتسهيل الأعمال والاستثمارات وأمور الناس عوضاً عن التعطيل الذي يشل البلد بكامله.

إذاً، الثري بقي على ثرائه أما متوسط الحال أمسى فقيراً والفقير ازداد فقراً وحرماناً وهذا إن دلّ على شيء، فهو يدل على استحواذ فئة صغيرة من اللبنانيين على معظم الثروة الوطنية، بينما تعرضت شريحة واسعة جداً من اللبنانيين لعملية سرقة على مستوى ضخم عبر حجز ودائعهم واملاكهم، وتدمير قدراتهم ومدخراتهم في ظل تدهور قياسي تشهده العملة الوطنية، وشلل تام من قبل مسؤولي هذه الدولة الذين يبدو أنهم لم يقرأوا في كتاب التربية الوطنية والتنشئة المدنية عن أن صمام الأمان الاجتماعي هو الطبقة الوسطى !