في ظل توالي التحذيرات من الإنهيارات المتتالية في كل القطاعات الحيوية، والتي باتت مواعيدها معلَنة ومعروفة ومحدّدة، تتراجع المعطيات المتّصلة حول ما آلت إليه «الوساطة» الوحيدة المستمرة في مسلسل الوساطات الهادفة إلى جمع الرئيسين ميشال عون وسعد الحريري على «تصوّر» حكومي واحد تتقاطع فيه اتجاهاتهما للمرحلة المقبلة، والتي لن تتجاوز الأشهر المعدودة إذا نجحت جهود تشكيل الحكومة، وكذلك، إذا فشلت هذه الجهود، فإن أياماً معدودة أيضاً تفصل لبنان عن «العَتمة» الدائمة التي بدأ الحديث عنها، كما تكشف مصادر نيابية مطلعة على تفاصيل الأزمة المالية الخطيرة بعدما بات سعر صرف الدولار في لبنان يساوي أحد عشر الف ليرة لبنانية، إذ تتوقع المصادر أن يؤدي العجز عن تأمين الطاقة والكهرباء للبنانيين، إلى فتح أبواب «جهنّم» الفعلية وحلول الفوضى الشاملة، ولكن غير المنظّمة.

وعليه، تجزم المصادر النيابية المطلعة، بأن السبيل الوحيد، كما يؤكد كل المعنيين بعملية فرملة الإنهيار وإنقاذ لبنان، وكان آخرهم مجموعة الدول المانحة، هو من خلال تشكيل الحكومة، ذلك أن أية وسائل أو حلول أخرى، أو حتى خطط طوارىء خاصة، لن تمنع الإنهيار، والذي توقع وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، أن يكون وشيكاً في لبنان، ولهذه الغاية سيزور قريباً الموفد الفرنسي بيار دوكان بيروت من أجل مواكبة الواقع المأزوم.

ولذلك، تكرّر المصادر نفسها، التشديد على أن مواكبة المستجدات التي طرأت في الأسبوع الماضي، تستوجب تغيير المواقف السابقة، وتحديداً على مستوى الشروط الموضوعة من أجل ولادة الحكومة، لافتة إلى أن هذه المعادلة لا تنطبق فقط على الرئيسين عون والحريري، بل على القوى السياسية الأخرى، مع العلم أن الهواجس الحالية تتجاوز كل الهواجس السابقة سواء بالنسبة للوضع الأمني،أو للوضع المالي الخطير، ومن الممكن قراءة مؤشّرات هذا التحوّل في الموقف الأخير لرئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط، الذي يركّز في مقاربته لموجة الغضب الشعبي في الشارع، على وجوب حماية الإستقرار الأمني، والوقوف بوجه أي فلتان في الشارع تحت عنوان الإحتجاجات على الأزمة الإجتماعية الصعبة، وذلك، في موازاة الدفع في اتجاه إنضاج ظروف التسوية الحكومية من أجل «إنقاذ ما يمكن إنقاذه» على المستوى المعيشي في الدرجة الأولى، وتأمين انتظام العمل في المؤسسات وعدم التعطيل على نطاق واسع.

وإذا كان جنبلاط قد فتح باب التنسيق السياسي من أجل تفادي تكرار أية إشكالات في الشارع، وخصوصاً في الجبل، على إثرالحادثة الأخيرة في شانيه، فإن المصادر النيابية المطلعة نصحت أطرافاً سياسية وحزبية في مناطق أخرى، بالمبادرة إلى التعالي فوق كل التحفّظات والإعتراضات حول الأداء السياسي لفريق السلطة والعهد، وعدم إهمال الواقع الأمني، حيث أن الفوضى ستسمح بتمرير مشاريع ذات طبيعة إرهابية، وذلك، في ضوء إعلان وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال محمد فهمي أن «الأمن في البلد بدأ بالتلاشي».

ووسط هذه المعطيات، لم تهمل المصادر نفسها، الإشارة إلى المسؤولية الدولية عن تدهور الوضع في لبنان الذي يستضيف أكثر من مليوني لاجىء ونازح سوري وفلسطيني، وبالتالي، لن تبقى المؤسسات الدولية والأممية في موقع المتفرّج على أي انهيار أو فوضى أمنية تأخذ في طريقها آلاف النازحين الذين يعانون في الأساس من ظروف معيشية صعبة.