غابت القفشة والدعابة المعجونة بالنكهة السياسية عن جلسة مجلس النواب. كان مشهد القاعة الكبرى في الاونسكو متجهما تحت وطأة الازمة. بدا رتيبا بمداخلات نيابية متجانسة ومكررة حول قرض البنك الدولي المخصص لدعم الأسر الفقيرة في لبنان الذي تحول معظم شعبه الى اسرة فقيرة واحدة محاصرة بالازمات وموجات الانهيار المتتالية.

غابت عن جلسة المجلس تلك الروح التي كانت تغمر القاعة العامة في ساحة النجمة الخالية اليوم من كل مظاهر الحياة بعد ان كانت تنبض في قلب بيروت.

الرئيس بري بدا مشدودا اكثر الى القلق من التدهور السريع الذي يساهم فيه استرخاء القوى السياسية مضيعة كل الفرص، ومغيبة الحكومة حتى اشعار آخر او ربما حتى السقوط الكبير.

لم يكن الرئيس بري كما كل الجلسات. افتتح الجلسة من خلف منصة الرئاسة بملامح تعكس مشهد البلد، وادار مناقشة بنود جدولها من دون «مقبلات» ومنكّهات كان يضيفها لتذوق المشاريع وهضمها.

في الاونسكو واظب النواب على تشريع واقرار جدول الاعمال الذي اقتصر على ثلاثة بنود تختصر بابرزها قرض الـ 246 مليون دولار لسد رمق مئتين او مئتين وخمسين الف اسرة فقيرة. وفي ساحة النجمة ما يزال مبنى البرلمان يلملم نفسه من آثار الانفجار الرهيب الذي ضرب بيروت من مرفئها على أمل استعادة عافيته وحركته في اقرب وقت متاح.

حضرت الى الاونسكو الكمامات وغابت ملامح الوجوه في ظل هذا الاجتياح الكبير : الاقتصاد منهار، الدولار يحلق فوق الاحد عشر الفا وطالع، كورونا مستمر بحصد ارواح اللبنانيين وقطع انفاسهم في المحاجر.

دخلوا وخرجوا من دون سجالات سياسية ومناوشات كلامية كانت تحصل في جلسات عامة كثيرة. فضلوا الانضباط تحت سقف ما رسمه الرئيس بري للجلسة التشريعية، فلم يلجأ الى المطرقة الا عند افتتاحها ورفعها.

فرض رئيس المجلس جوا تشريعيا صرفا، مكتفيا بمناقشة جدول الاعمال لا اكثر ولا اقل. وطبق هذه القاعدة على نفسه فلم يوجه رسائل سياسية الى هذا الطرف او ذاك كما كان يفعل ويجيد في الجلسات السابقة، مكتفيا بادارة الجلسة التشريعية وانجاز جدول اعمالها دون زيادة او نقصان.

مشهد الاونسكو اول امس عكس ثقل الازمة في الداخل والخارج. في القاعة الكبرى القرض الميسر صار حاجة ضرورية حتى للذين كانوا اشد المعارضين لسياسة الاقتراض، وحول قصر المؤتمرات زنار من الامن وجمهرة من المحتجين واسلاك شائكة.