حركة السفير السعودي: هل تريد الرياض تعديل «سياسة ادارة الظهر؟»


منذ لقاء الاثنين الصادم بين الرئيسين عون والحريري لم يطرأ على موقفيهما اي تقدم حاسم في خصوص تشكيل الحكومة، لا بل ان آثار وتداعيات ما جرى بينهما فرض على الوسطاء او الساعين للحلول ان يأخذوا بعين الاعتبار العمل من اجل ترطيب الاجوا او تطبيعها قدر المستطاع.

وتشهد الساحة منذ ايام حركة ناشطة على مسارين او محورين: اللقاءات اللافتة التي اجراها ويجريها سفراء الولايات المتحدة الاميركية وفرنسا والسعودية، والمسعى المتجدد للرئيس بري بموازاة حراك لافت لرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط وعودة النشاط المتصل بالشأن الحكومي لبكركي بعد ان توجه البطريرك الراعي للرئيسين عون والحريري داعيا اياهما الى مناقشة «تشكيلة ممتازة» والاتفاق على تشكيل الحكومة.

وفي حين يربط البعض تنشيط حركة السفراء بنتائج اللقاءات الديبلوماسية التي عقدها الرئيس عون مؤخرا، يرى آخرون ان لا علاقة بين هذا وذاك وان لكل سفير اسبابا واهدافا لما قاموا ويقومون به وانهم ربما تحركوا في هذا الوقت ايضا بعد ان لمسوا خطورة الوضع في لبنان وانعكاساته الخارجية.

ويوحي التحرك الديبلوماسي بأن هناك منحى جديدا لتعامل السفراء الثلاثة مع الازمة الحكومية يعكس بعض التعديل في مواقف بلادهم. فالسفير السعودي وليد البخاري الذي غاب عن المشهد اللبناني منذ فترة غير قصيرة، اخذ ينشط تدريجيا على غير صعيد اكان على صعيد اللقاءات التي اجراها ويجريها مع عدد من السفراء في لبنان وفي مقدمهم سفيرتا اميركا وفرنسا ام على صعيد اللقاءات التي يجريها مع مسؤولين وقياديين سياسيين، وآخرها زيارته لجنبلاط في المختارة.

وترى مصادر سياسية مطلعة ان عودة التحرك السعودي الديبلوماسي والسياسي الى الواجهة من جديد بعد غياب طويل يؤشر الى ان الرياض تريد في هذه المرحلة تعديل ادائها في لبنان، والانتقال من سياسة ادارة الظهر الى سياسة تنشيط حضورها السياسي من جديد على قاعدة عدم ترك هذه الساحة للآخرين بعد ان تبين لها ان السياسة التي اتبعتها لم تكن ناجحة لا بل ان تراجعها عن المشهد في لبنان ادى الى ضعف حضورها بشكل ملحوظ، كما ان سياسة الضغوط على غرار سياسة الرئيس الاميركي السابق ترامب لم تحقق اي نجاح يذكر. ولا يعني ذلك ان السعودية تخلت عن سياستها المتشددة وحملتها على حزب الله لكنها ربما تدرك اليوم انها بحاجة الى احداث تغيير في اسلوبها خصوصا لتحسين نفوذها من جديد على الاقل في الاوساط الحليفة.

اما السفيرة الاميركية دورثي شيا فانها تتحرك بوتيرة ناشطة منذ فترة طويلة، لكن اللافت ان بيانها بعد لقاء الرئيس عون جاء بنكهة مختلفة عن البيانات والتصريحات التي كانت تدلي بها في عهد ترامب، وربما يعكس ذلك نوعا من التعديل في الاداء الاميركي تجاه الوضع في لبنان بعد مجيء الرئيس بايدن.

وتلفت المصادر الى ان بيانها لم يتضمن موقفا حادا او متشددا شبيها بمواقف سابقة بل ركزت على حث المسؤولين اللبنانيين على تشكيل حكومة انقاذية واصلاحية، ولم تتطرق الى شروط وفيتوات كما كانت توحي سابقا بحجة محاربة حزب الله وهيمنته على الحكومات اللبنانية.

ويشبه موقف شيا في بعبدا مؤخرا موقف السفيرة الفرنسية آن غريو في الشأن الحكومي مع خصوصية كل موقف . وتقول المصادر ان غريو لم تأت امام المسؤولين اللبنانيين في الايام الاخيرة على ذكر عزم او نية فرنسا اتخاذ عقوبات ضد مسؤولين لبنانيين، وان مثل هذه الاخبار هي صناعة لبنانية، لكنها تحدثت عن ضغوط مضاعفة لتشكيل الحكومة اللبنانية بأسرع وقت، مشددة على وجوب تدارك المسؤولين اللبنانيين الوضع الذي يستمر في الانهيار بشكل دراماتيكي.

وفي موازاة ذلك تحركت المساعي المحلية من جديد بعد «فترة التقاط الانفاس» من صدمة لقاء الاثنين. ووفقا للمعلومات من مصادر مطلعة، فان الرئيس بري استأنف جهوده واجتمع مطولا في عين التينة مساء الاربعاء الماضي، وطرح صيغة تستبعد الثلث المعطل لكنها تتجاوز صيغة الـ 18 الى الـ 24 وزيرا، بحيث تاخذ بالاعتبار ايضا ما ورد في بيان بعبدا بعد تصريح رئيس الحكومة المكلف وانتقادها اسناد وزارتي الزراعة والخارجية الى وزير واحد كما ورد في تشكيلة الحريري واعتبارها ان هذا الجمع على سبيل المثال لا يتلاءم مع مبدأ الاختصاص.

ووفقا للمعلومات فإن الحريري لم يعد متشددا لجهة التمسك بحكومة من 18 وزيرا، لكنه يرفض بشكل قاطع الثلث المعطل لاي طرف او اشراك اي حزبي في الحكومة.

اما بعبدا فانها مصرة على القول ان رئيس الجمهورية لم يطالب بالثلث المعطل لكنه متمسك بالمشاركة الكاملة في التشكيل وبالتوازن والميثاقية، مشيرة الى ان الاتهامات الموجهة اليه من البعض هي في غير محلها وتهدف الى تغطية سياسة المماطلة التي ينتهجها الرئيس المكلف. فما طالب به ألرئيس عون هو مناقشة التشكيلة وتوزيع الحقائب والاسماء، آخذا بعين الاعتبار الالتزام بالمبادرة الفرنسية.

ولم يرشح حتى الان عن بعبدا اي موقف آخر او اي تعليق على اجواء المساعي الاخيرة ومبادرة بري، لكن اللافت هو ان التيار الوطني الحر طلع بموقف متشدد امس مجددا التأكيد انه لن يعطي الثقة لحكومة الحريري ومتهما اياه باتباع سياسة الاقصاء ومحاولة الحصول مع فريقه على النصف زائد واحد في الحكومة.

ويسأل مصدر سياسي من قصد بفريق الحريري، فاذا كان المقصود الرئيس بري وجنبلاط والمردة فان هذا التوصيف في غير محله ويثير الاستغراب والعجب لانه يعرف قبل غيره ان هذه الاطراف الاساسية لا يمكن احتسابها من فريق الحريري بأي شكل من الاشكال وان تلاقت معه على بعض النقاط المتعلقة بتشكيل الحكومة مثل رفض الثلث المعطل، وهي لها سياستها وحيثياتها السياسية والشعبية التي تجعلها مؤثرة وغير متأثرة، وبالتالي تتوافق وتتعارض مع اي طرف وفقا لسياستها تجاه اي استحقاق او قضية.

ورد تيار المستقبل على التيار الوطني الحر ببيان اتهم فيه رئيسه جبران باسيل بـ «اللعب على حافة التحريض الطائفي والقفز من معيار الى معيار ليضمن الوصول الى الثلث المعطل، واختراع حجة جديدة و«بعبع» سياسي اسمه النصف زائد واحد لرئيس الحكومة المكلف».

ويلخص مصدر مطلع الموقف في ظل الحراك القائم بأنه لا يزال يدور في الحلقة نفــسها، مؤكدا انه عندما تحل عقدة الثلث المعطل وتتخلى بعبدا عنه تولد الحكومة، وهذا لم يحصل حتى الان.