العقوبات الأميركية لم تصل الى هدفها القائم على تغيير الطبقة السياسية بل الى انهيار الإقتصاد

يلوّح الإتحاد الأوروبي منذ فترة بإمكانية فرض عقوبات على من يُعطّل تشكيل الحكومة من المسؤولين اللبنانيين، على غرار العقوبات الإقتصادية التي سبق وأن فرضتها الولايات المتحدة الأميركية منذ أشهر على بعض الشخصيات السياسية من الأحزاب التابعة لـ 8 آذار وحلفائها. غير أنّ هذه العقوبات التي طالت رئيس «التيّار الوطني الحرّ» النائب جبران باسيل، والوزيرين السابقين علي حسن خليل عن «حركة أمل» ويوسف فنيانوس عن «تيّار المردة»، لم تؤدّ الى تسهيل تشكيل الحكومة، بل على العكس ساهمت في تجميد الوضع السياسي وفي تمسّك كلّ فريق بموقفه ومطالبه وشروطه. فما هي ماهية العقوبات الأميركية والأوروبية، وهل هدفها الفعلي تسهيل تأليف الحكومة في لبنان، أم تهدف لتحقيق مصالح الدول التي تتخذها في المنطقة؟!

أوساط ديبلوماسية مواكبة أكّدت بأنّ الإتحاد الأوروبي ينوي فرض عقوبات إقتصادية على بعض الشخصيات اللبنانية، وقد سبق للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن حذّر من اتخاذ الإتحاد مثل هذا القرار بهدف حثّ المسؤولين اللبنانيين على الإسراع في تشكيل الحكومة وفق المبادرة الفرنسية ومندرجاتها. غير أنّ هذا الموضوع لم تتمّ مناقشته بعد بالتفاصيل، ولهذا تبقى العقوبات حتى الآن عصا يجري التهديد باستخدامها من قبل الأوروبيين كونهم غير متأكّدين من نتائجها. علماً بأنّ الولايات المتحدة تشجّعهم على فرضها على بعض الشخصيات بهدف تغيير واقع ما.

ولكن لا يبدو بأنّ هذه العقوبات من شأنها تحريك الجمود الحاصل على صعيد تشكيل الحكومة، بل على العكس. كذلك فإنّ قول وزير خارجية فرنسا جان إيف لودريان بأنّ «لبنان ينهار وعلى الإتحاد الأوروبي التحرّك»، فهذا لا يعني فرض العقوبات، على ما أوضحت الاوساط، بل مساعدة المسؤولين للتوصّل الى التوافق فيما بينهم على حكومة إنقاذية، والبحث عن حلول للأزمة الإقتصادية والنقدية. في الوقت نفسه، فإنّ العقوبات الأميركية التي سبق وأن فُرضت على عدد من قيادات حزب الله، فضلاً عن تلك التي طالت شخصيات سياسية تدعم المقاومة، لم تؤدّ الى تسهيل عملية التشكيل، بل عقّدت الأمور أكثر فأكثر.

من هنا، فإنّ تداعيات العقوبات الأميركية لم تستطع تغيير الطبقة السياسية في الداخل، على ما أشارت الاوساط، بقدر ما أثّرت سلباً على الوضع الإقتصادي والمالي وأدّت الى انهياره بشكل دراماتيكي بهدف تحريك الشعب في الشارع والمطالبة بتغيير الطبقة السياسية التي لم تتمكّن العقوبات من إسقاطها أو القضاء عليها. ولهذا، فإنّ الضغط من خلال العقوبات لم يوصل الدول الى اعتمدتها الى ما تريده إلاّ بجزء بسيط من توقّعاتها، ما يجعل الأوروبيون يقومون بدراستها ودراسة نتائجها قبل فرضها.

ولأنّ لبنان ينهار اليوم شيئاً فشيئاً، أكّدت الأوساط نفسها أنّ الأوروبيين مستعدّون لمساعدة المسؤولين اللبنانيين، لكنهم لا زالوا يرونهم أنّهم لا يُساعدون أنفسهم.. ولهذا قرّرت فرنسا بحث احتمال فرض عقوبات على المسؤولين اللبنانيين سواء على مستوى الإتحاد الأوروبي، أو على المستوى الفرنسي، من دون أن تقرّر أي شيء على الفور. ولا يزال الفرنسي حتى الآن، وكذلك الإتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي، يأملون أن تتشكّل الحكومة في لبنان، لأنّه مهما قامت حكومة «تصريف الأعمال» بتسيير شؤون لبنان واللبنانيين، إلا أنّها لن تكون قادرة على تحقيق الإصلاحات المطلوبة من الداخل والخارج.

ويعوّل الأوروبيون في هذا الوقت على بعض المحاولات الداخلية لتحريك الجمود السياسي من خلال خفض السقوف العالية، من خلال «حكومة تسوية» من 18 الى 24 وزيراً، على ما يسعى رئيس الحزب التقدّمي الإشتراكي النائب وليد جنبلاط لدى القيادات السياسية والدينية. ويقول العارفون بأنّ جنبلاط لا يتحرّك من فراغ، بل انطلاقاً من التحذيرات التي سمعها من قبل الأوروبيين، كما من قبل المعنيين بالملف الأمني في الداخل، وذلك تلافياً لوصول الوضع في البلد الى الأسوأ على جميع الأصعدة. فاستمرار الجمود السياسي في ظلّ الأزمة الإقتصادية والمالية والغلاء وارتفاع السلع الغذائية وازدياد نسبة العنف والجرائم بسبب الجوع والفقر والبطالة، لا يُمكن أن يبقى على حاله، فيما يقف المسؤولون في البلد كمتفرّجين على كلّ ما يحصل.

من هنا، فإنّ تحرّك جنبلاط، يؤمل منه أن يقوم بالتقريب في وجهات النظر بين الأفرقاء المتنازعين رغم أنّ مهمّته ليست سهلة، على ما يبدو، من خلال ما أعلنه أخيراً عن العلاقات غير الجيّدة القائمة بين الرئيس المكلّف سعد الحريري والنائب جبران باسيل، والتي يجب أن تتغيّر للوصول الى التوافق. فضلاً عن عدم موافقة البعض على حكومة الـ 24 وزيراً التي سبق وطرحها حزب الله، وفق صيغة 8- 8- 8 أي 8 وزراء لكلّ تحالف من دون أن يكون هناك أي ثلث معطّل لأي طرف فيها. علماً بأنّه سبق لرئيس مجلس النوّاب نبيه برّي أن قام بمبادرة داخلية لم تصل الى خواتيم إيجابية، وكان لمدير عام الأمن العام اللواء عبّاس ابراهيم أيضاً مساعٍ في اتجاه تسوية ما لم تفضي الى التوافق على تأليف الحكومة.

في المقابل، تلمس الأوساط نفسها أنّ التحرّكات الداخلية لم تُفلح حتى الساعة، ليس لأنّ الساعين غير قادرين على إقناع الأطراف الداخلية، بل لأنّ التوافق الخارجي على إعطاء الضوء الأخضر لهم لم يحصل بعد. في حين أنّ المطالبة المستمرّة بتسريع تشكيل الحكومة هي لحفظ ماء الوجه بأنّ الخارج مهتمّ بالوضع اللبناني المنهار ويريده أن يتحسّن في أسرع وقت ممكن. ويُحاول الخارج أن يُبقي الملف اللبناني ضمن مواقفه المعلنة من دون أن يحسم أي شيء على صعيد ولادة الحكومة في انتظار التسويات الإقليمية والداخلية التي من شأنها أن تنعكس إيجاباً على إنتاج الحكومة المرتقبة.