«عادةٌ» أو «ظاهرةٌ» تنشَط مرّة كلّ سنة في الشوارع اللّبنانية، وهي بيع الصيصان الملوّنة التي تلقى «رواجاً» في فترة عيد الفصح، حيثُ يلجأ كلّ من «ضاقت به الأحوال إلى بيع الصّيصان بعد صبغها، بألوانٍ مختلفةٍ لجذب المارّة، وخاصّةً الأطفال منهم. يجرّون عرباتهم ويتسابقون على بيعها وكأنّها لعبةً وليست روحاً. هل من يراقب «مستغلّي الأعياد»؟ كيف تُصبغ الصيصان؟ وماذا عن صحّة الأطفال بعد «الهديّة» الملونة؟

تذكيرٌ في هذا الإطار يُبرهِن مدى فَظاعة عمليّة التّلوين وضرورة العمل على وضع حدٍّ لنشاط باعة الصيصان؛ ففي عام 2017 ذكر محافظ مدينة بيروت السّابق القاضي زياد شبيب أنّه «عملاً بالقرار رقم 316 مكرر تاريخ 16 أيار 1934، المتعلّق بتنظيم مهنة بيع الطيور الداجنة في مدينة بيروت، وعملاً بكتابه السّابق بالخصوص عدد 6473 تاريخ 2015/4/01، بمنع بيع صغار الطّيور أو الصيصان الملونة وغير الملونة في مدينة بيروت، وذلك حرصاً على سلامة الأولاد ورفقاً بالحيوان».

 لا مبالاة !

في جولةٍ بسيطة على بعض الشوارع والأحياء يتبيّن أنّ بعض الباعة يستكملون نشاطهم المربح من دون أي مبالاة لا بقرار عدم بيع الطيور على الطّرقات ولا بمنع صبغها.

والأمر عينه ينطبق على بعض المناطق خارج نطاق بيروت، إذ لا تزال ظاهرة بيع الصيصان الملوّنة ناشطة. في هذا الإطار أيضاً، وجّه وزير الزراعة السابق غازي زعيتر، في 28 آذار 2018، كتابين. «الأول إلى وزارة الداخلية والبلديات للإيعاز إلى المحافظات والبلديات والقوى الأمنية من أجل التشدد في منع البيع على الطرقات. والثاني، إلى وزير العدل سليم جريصاتي للإيعاز إلى النيابات العامة والقضاء المختص التشدد في تطبيق هذه القرارات وإحالة المخالفين إلى القضاء المختص، انطلاقاً من أن هذه الممارسات تتعارض مع المبادئ العامة للرفق بالحيوان وتشكل مخالفة للقوانين والقرارات مرعية الإجراء».

تلوين الصّيصان «ظاهرة» قديمة في موسم عيد الفصح، وعملية التّلوين تحصل بطرق مختلفة، لكنّ سمةً واحدةً تجمع بينها؛ وهي الوحشيّة. في هذا السياق تقول سيفين فاخوري، عضو مجلس إدارة جمعيّة «بيتا» - «BETA» ومسؤولة العلاقات العامّة والإعلام في الجمعيّة لـ«الديار» أنّ «الصيصان ترشّ عندما تفقس من البيضة بالتلوين، أو بطريقة حقن البيضة بالتلوين قبل أن تفقس ويخرج منها الصّوص، أو في الحالات المتشعّبة أكثر تُجمَع الصيصان في علبةٍ واحدةٍ وتُخلَط كلّ مجموعة بلونٍ معيّن من دون رحمة وإنسانيّة».

الألوان أو الصّباغ التي تُستخدم هي إمّا تلوين الطعام، إمّا ألوان إصطناعيّة لها آثار سلبيّة وتحتوي على مواد كيماوية يمكنها أن تسمّم الحيوانات، لذلك الصيصان الملوّنة لا تعيش إلا أيّاماً معدودة وطويلة العمر منها، تعيش اسبوعاً كحدٍّ أقصى».

 الذكور تختلف عن الإناث... لكنّ «التعذيب» واحد ! 

أوضحت فاخوري أنه «عادةً يتمّ فصل الإناث عن الذكور، والسبب يعود إلى أنّ الذكور لا تمثل أي قيمة للمزارعين في مقارنةٍ مع الصيصان الإناث التي تكون مربحة وتنتج البيض».

تُفيد الإحصاءات أن تسعةً من أصل عشرة دجاجات تنفق كلّ عيد فصح. ويعود السبب إلى المواد التي يتم صبغ الدواجن بها. لكن هل فقط التلوين أو الصبغة هي السبب الوحيد؟

في هذا السياق تعتبر فاخوري أنّ «نفوق الدواجن يحدث أيضاً نتيجةً للإهمال الّذي يحصل من قبل الأهل الّذين يسمحون لأولادهم شراء الصيصان الملوّنة، وهذا ما يشجّع الباعة من جديد ككلّ عام على استكمال تجارتهم المربحة».

وتتابع قائلةً أن ّ«وضع الصيصان داخل المنزل أو على الشرفات أمراً مرفوضاً لأنّ الدواجن تحتاج أن تبقى في الطبيعة وبالقرب من أبناء جنسها لكي تكون في مكانٍ آمن وليس اعتبارها كلعبة بين أيادي الأطفال». فالصوص معرّض للموت ببضعة دقائق بمجرّد وضعه بمتناول الأطفال، إذ يصبح تحت ضغط نفسي يؤدي إلى انخفاض منسوب السكر في دمه، إضافة الى أن الصبغة تؤثر على جلده وكليتيه.

 توعيةٌ للأهل قبل الأطفال

تعمل الجمعيّات التي تُعنى بالرفق بالحيوانات كذلك الناشطون جاهدين لمنع كلّ مخالفة لا تستوفي أدنى معايير الإحترام والإنسانيّة تجاه أرواح. في هذا الصدد تتوجه فاخوري برسالة للأهل قائلةً «من منّا لا يتذكّر صوصاً ملوّناً انتهى مصيره ميتاً في المنزل؟ اتركوا انطباعاً جميلاً في أذهان أولادكم، علّموهم أنّ احترام الحيوانات هو واجب أخلاقي، لقّنوهم أنّ الصيصان الملوّنة هي أرواحاً ليست لعبةً مصيرها إمّا الموت، إمّا الرّمي في الشارع».

 صحّة أولادكم مهمّة أيضاً ! 

يقول طبيب الأطفال د. روني صياد لـ«الديار» أنّ الصيصان تشكّل خطراً على صحّة الأطفال، فهي تحمل غالباً بكتيريا «السّالمونيلا»، وهي إحدى أنواع البكتيريا التي تُنقَل إلى الإنسان، كذلك الأطفال وتسبب لهم التهاباً في المعدة، بالإضافة إلى الإسهال، والتشنجات البطنية، ويمكنُها أن تُحدِث بعض المضاعفات الخطيرة، خاصة لدى الرضع، والأطفال بسبب ضعف جهاز المناعة لديهم». ويضيف د. صياد إنّ «هذه البكتيريا غالباً ما يلتقطها العديد من الأولاد بعد فترة عيد الفصح. وذلك عند حمل الصيصان أو اللعب معها أو تقريبها من النفس، أو لمسها من دون غسل اليدين. كذلك الأطفال هم عرضةً لهذه البكتيريا، لأنهم يلجأون إلى وضع أصابعهم المتسخة في أفواههم».

فصحاً مجيداً لكلّ من أدرك أنّ «الروح» ليست لعبة زاهية الألوان فابتعد عن شرائها، ولكلّ «صابغٍ» أو«مستغلٍ» أو «بائع»ٍ أدرك أنّ عملَتهُ لا تتّصف إلا بقلّة الرحمة والوحشيّة فابتعد عن صبغها والمتاجرة بها.