يا لسذاجتنا ! نحن المأخوذون، حتى أقاصي القلب، بعبقرية الثقافة الأوروبية. من مفاتن مونيكا بيللوتشي (والدولتشي فيتا)، الى فوضوية الألم (وعبثية الألم) عند ألبير كامو، وصولاً الى وقع قدمي السيد المسيح في كتابات تشارلز ديكنز أوغانتر غراس. ثم نظن أن القارة العجوز غسلت يديها من لوثة الطبول، ولوثة القناصل، ولوثة الأساطيل.

لا بونابرت هناك، ولا شارلمان، ولا بيسمارك، بل ليوناردا فينشي، وكوكو شانيل، وايف سان لوران. حين تغني اديث بياف لغياب عاشق على أنه غياب الحياة ...

تلك الأوروبا الجميلة لا تزال عالقة بين مخالب القرن التاسع عشر، وربما بين مخالب الفايكينغ. ظلال بشعة للأمبراطورية الأميركية. عقدة النورماندي (والانزال الشهير) أم عقدة مارشال (والخروج من ركام الحرب العالمية) ؟

دول أوروبية كثيرة، بما فيها بريطانيا، اتخذت من الصليب راية لها. متى كان طريق الجلجلة في السياسة الأوروبية حيث السكين هي التي تعمل في جغرافيا الشعوب وفي تاريخ الشعوب ؟ الأهم ... في لحم الشعوب !

ماذا فعل هؤلاء المسيحيون لمسيحيي العراق، أيضاً لمسيحيي سوريا، وحيث كان للخيول العثمانية، أو للانكشارية العثمانية، أن تحوّل كنائس، وأديرة، ادلب  التي عمرها من عمر الدهر الى خراب ؟

الى أي مدى تواطأ قناصل القرن التاسع عشر مع رجب طيب اردوغان الذي استخدم الاسلام كعربة ايديولوجية من أجل احياء المسار الهيستيري للسلطنة العثمانية (السلجوقية)، بدءا من الجناحين العراقي (الموصل) والسوري (حلب)، وصولاً الى الفسطاط، ومنه الى القيروان ؟

الآن، الرئيس التركي يعتزم أن يجعل من الشرق الأوسط واحة سلام. يا للمهزلة حين يخلع الثعبان أسنانه ويضعها على الطاولة. ماذا تراه يفعل بالنيوانكشارية الذين وزع بعضهم في ليبيا، وبعضهم في اذربيجان، وبينهم من يختالون بالسواطير في شوارع ادلب، دون الاكتراث بالنازحين الذين استدرجهم الى هناك، والذين تركوا للعراء  وللصقيع ولشظف العيش ؟

متى يدرك أصحاب الأدمغة الفذة عندنا أن أزمة سوريا أزمة لبنان، وأن ما يصيب سوريا يصيب لبنان. ألم يتواطأ الأوروبيون، الضنينون بمسيحيي لبنان، مع اردوغان لاستجلاب المرتزقة من ضواحي الصفيح الى سوريا ؟

حتى الآن يتواطأون مع الأميركيين لوضع اليد على حقول النفط، وحقول القمح، في دير الزور، ومع تركيا لوضع اليد على غابات الزيتون (وطور سنين) في ادلب، لكي يلهث السوري الذي لم يعرف الجوع يوماً وراء رغيف الخبز، ووراء رأس البطاطا ...

منذ الاستقلال متى شــعر اللبنانيون أنهم في دولة ؟ دائماً لبنان الأبيض ولبنان الأسود. بعض المناطق لم تكن تعلم من هو رئيس الجمهورية (لا أبالغ). وكانت تعلق على الجدران صور الملك فاروق، وصور حسني الزعيم، وحتى صور الملك عبدالله، وبعده صور الملك حسين، باعتبار أن البلاط الهاشمي يعيد للشيعة حقهم في الخلافة، بل وحقهم في ... الحياة !

ثم، يالسذاجتنا حين يكون رهاننا على «الاستعدادات الأوروبية»، و»العقوبات الأوروبية»، وعلى ماتقوله سعادة السفيرة الأميركية. لم نكن دولة لتعود الدولة. ولم نكن شعباً لنعود شعباً. آن الأوان لكي نخلع الأقنعة. وراء وجوهنا كل أشكال الهلهلة (هلهلة القيم وهلهلة الأداء ). لا منطق دولة، ولا ثقافة دولة، ولا رؤية دولة ...

هاجس القناصل يتحكم بكل تفاصيلنا، وبكل يومياتنا. سواء كان القنصل ببداوة رستم غزالي، أم ببدائية دوروثي شيا التي راحت توزع الكمامات علينا في الطرقات. كمامات لكمّ الأفواه ؟

في  كل المنطقة، العرب ـ ونحن منهم كما تقول وثيقة الطائف ـ ممنوعون أن تكون لدينا دول تليق بالقرن. سياساتنا من هناك. اقتصاداتنا من هناك. كل الأبواب الأخرى، بما في ذلك الباب الصيني، مقفلة. حتى أبواب الزمن مقفلة ...

ولتذهب بنا الرياح حيثما تذهب !!