شكري ينصح بتكوين «مناعة» لبنانية : اللهمّ اني قد بلغت

 

ثمة تساؤلات كثيرة حول توقيت تحرك رئيس الدبلوماسية المصرية سامح شكري على خط المساعي لتشكيل حكومة لبنانية جديدة، هذا الزخم المصري غير المعتاد على الساحة اللبنانية بعد سنوات من الغياب بسبب احتكار «لاعبين» خليجيين ذات النفوذ الواسع والحضور الفاعل لبنانيا لهذا الملف، مقابل قوى اقليمية تنتمي الى محور المقاومة، لا يمكن حصر اسبابه فقط بالموقف السعودي الرافض للعودة الى ادواره المحورية السابقة بعدما «غسلت المملكة يديها» من حلفائها اللبنانيين، وفي مقدمتهم الرئيس المكلف سعد الحريري، المتهمين بالاستسلام الى حزب الله بعدما اهدروا ملايين الدولارات عبثا.

فوفقا لمصادر دبلوماسية مطلعة، لدى القاهرة الكثير من المعطيات والمؤشرات الخطيرة حول ما يرسم ويحاك في المنطقة التي تقف عند «مفترق طرق» خطير حيث ترسم معالم تحالفات جديدة ستكون انعكاساتها سلبية على عدد من الدول ومنها لبنان، ولذلك زخمت الديبلوماسية المصرية تحركاتها لايجاد مناخات داخلية لبنانية تساعد على تحييد الساحة اللبنانية قدر المستطاع عن التطورات والاحداث المقلقة، وتعتقد مصر ان جزءا من الازمة الحالية مفتعل لتعبيد الطريق نحو «جهنم»... فما هي طبيعة هذه المخاوف؟

تلفت تلك الاوساط الى ان القاهرة تنظر بالكثير من «الريبة» الى التفاهمات المستجدة بين عدد من دول الخليج و»اسرائيل»، وليست مرتاحة «لاتفاقات السلام» الناتجة عنها على الرغم من الموقف العلني المرحب بها، لكن الاعتقاد السائد لدى القيادة المصرية بان «اسرائيل» تريد العبث بالخريطة السياسية وحتى الجغرافية في المنطقة بالتعاون مع بعض الحلفاء الجدد، وشكري الذي اجرى جولات مكوكية على المسؤولين اللبنانيين وصل الى بيروت على وقع فشل المحادثات مع اثيوبيا حول سد النهضة، وسط ارتفاع منسوب انزلاق الامور الى مواجهة عسكرية محتملة بعدما اصبح الامن القومي المصري المائي في خطر. وتدرك القاهرة ان وراء التعنت الاثيوبي دعم مباشر من «اسرائيل»، بينما يثير الحياد الاميركي الكثير من «الريبة»، ولذلك تتعامل مصر بأعلى درجات الحذر مع هذا التطور ولا تفصله ابدا عما يحاك لدورها في المنطقة، وليس ادل على ذلك ما حصل في قناة السويس قبل نحو اسبوع عندما اقفلت القناة بعد انحراف سفينة عملاقة دون اسباب منطقية، بعدها عاد الحديث عن شق «اسرائيل» لقناة «بن غورين» التي تهدف الى الغاء دور قناة السويس وتكبيد مصر خسائر بمليارات الدولارات.

لا ينفصل ما يحدث مع مصر عما يخطط لدول «الطوق»، سوريا، الاردن، ولبنان، فالقاهرة ادركت مبكرا الخطر الداهم في سوريا، وعملت على خط مواز يتناقض كثيرا مع دور حلفائها الخليجيين خلال الحرب المستمرة هناك، واليوم تملك معطيات عن تحركات «اسرائيلية» باتجاه واشنطن، تتلاقى مع الطموحات التركية، تشترط احداث تغييرات في الواقع السوري وتدفق المساهمات الدولية والخليجية لاعادة الاعمار، بازاحة الرئيس السوري بشار الاسد عن الحكم، وهو امر تدرك القاهرة انه غير واقعي ويمدد من عمر الازمة السورية، ويبقي البلاد منقسمة ومفتوحة على نزاعات عسكرية لا تنتهي.  

وفي هذا السياق، لدى المصريين مخاوف جدية من تحركات «اسرائيلية» متهورة بعدما بلغ الصدام المباشر مع ايران في البحر مرحلة خطيرة للغاية، ويهدد تبادل الجانبين الضربات عبر استهداف السفن التجارية، بانزلاق الامور الى ما لا تحمد عقباه، خصوصا ان «الاسرائيليين» فشلوا في تقويض قوة طهران وحزب الله في سوريا على الرغم من الغارات الجوية المستمرة، فيما تستعد «اسرائيل» للتعامل مع السيناريو الاسوأ مع ترقب لانسحاب القوات الاميركية من شمال شرق سوريا، حيث ستملأ ايران الفراغ الذي سينشأ لتثبيت الجسر البري من العراق إلى سوريا ولبنان.

هذا التطور سيدفع «الاسرائيليين» الى رفع مستوى تحركاتهم في المنطقة، وفقا للتقديرات المصرية، وثمة خشية جدية من اتساع المواجهة لتشمل الحدود السورية - اللبنانية، المصنفة «اسرائيليا» بانها نقطة ضعف استراتيجي سمحت بتعاظم قدرات الحزب الصاروخية، وقد تكون هذه المنطقة مساحة لتصعيد النشاط العملياتي الاسرائيلي في إطار ما يعرف «بالمعركة ما بين الحروب»، في وقت تجري فيه مساع حثيثة لتوسيع نطاق التدخلات الدولية عبر قوات اليونفيل لمراقبة الحدود بين سوريا ولبنان بعدما فشل دور اجهزة الرقابة البريطانية في منع حزب الله من «تهريب» الاسلحة.

 أما ما حصل في الاردن منذ ايام، فقد اشعل «الضوء الاحمر» في القاهرة، ووفقا لمعلومات الاستخبارات المصرية ان»اسرائيل» ليست بعيدة عما جرى في عمان بالتواطؤ مع «شريك» خليجي فاعل، حيث كان استقرار الاردن على المحك، لولا التحرك المباغت الحاسم للسلطات الاردنية. وما يقلق المصريين ان محاولة المس بالعرش الاردني حصل على الرغم من العلاقة الاستراتيجية والعميقة الذي تربطه بالولايات المتحدة الاميركية، وهذا مؤشر خطير يدل على خروج «اللعبة» الاقليمية عن السيطرة حيث اراد البعض معاقبة ملك الاردن على مواقفه الاخيرة الرافضة لصفقة القرن، دون «مظلة» اميركية، وهو امر تجاوز من خلاله الحلف الجديد في المنطقة «الخطوط الحمراء» غير القابلة للكسر عادة، لكن ما حصل عزز المخاوف المصرية خصوصا ان الموقف الاميركي ازاء الساحة اللبنانية مختلف عمّا هو عليه تجاه الاردن، والقلق جدي من ان تسمح «اللامبالاة» الاميركية حيال لبنان الى تشجيع الاطراف الاخرى على التمادي في طموحاتها، وعندها ستكون الساحة اللبنانية مرة جديدة «صندوقة بريد» لتصفية الحسابات الاقليمية.  

وازاء ما تقدم، تحركت الديبلوماسية المصرية على نحو عاجل لمحاولة تحصين لبنان من العواقب الوخيمة التي تلوح في الافق، وكان شكري واضحا خلال لقاءاته مع المسؤولين اللبنانيين حين حذرهم من المناخات الاقليمية والدولية غير المريحة، ونصح بضرورة تلقف المبادرة الفرنسية والعمل من خلالها لتأمين الحد الادنى من الاستقرار الداخلي وتكوين مناعة لبنانية لمواجهة المخاطر،عبر تشكيل حكومة «مهمة» بتوافق بين جميع القوى السياسية الفاعلة، لسد كل «الابواب» التي يمكن ان يدخل منها الخارج للتخريب في الواقع اللبناني غير المنفصل عن ما يحصل في المنطقة.

تبقى النتائج في الخواتيم، القاهرة تتحرك دون «انياب» ويحتاج تحركها الى مواكبة من الدول المؤثرة، وسواء ساهم التحرك في «ولادة» الحكومة، او فشل، تبقى «رسالة» المصريين للبنانيين»اللهم اني قد بلغت»، اما النجاح فمرهون بقدرة بعض القوى اللبنانية وفي مقدمتها رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري على تجاوز «الفيتوات» الخارجية لتعبيد الطريق امام التاليف؟!