عندما كتب أحمد فؤاد نجم للشيخ إمام أغنية «شيد قصورك عالمزارع»، كان يعلم جيداً من هو جلاده وكان يعلم جيداً أن في الإتحاد قوة، خصوصاً إذا ما إتحد العمال والفلاحين والطلبة!

هؤلاء هم من خاطبهم حراك المتعاقدين طالباً في بيان رسمي «وبرسالة ضمير استنهاض وطني لكافة المعلمين المتعاقدين الوطنيين المتواجدين على الاراضي اللبنانية وكذلك للمتعاقدين في وزارات السلطة، وكذلك طلاب لبنان وجميع المواطنين الى مقاطعة الدخول وشراء الحاجيات بكافة اشكالها من كلّ السوبرماركات، بدءاً من اليوم نهار حتى مساء الأحد 11 الجاري وذلك في محاولة نضال شعبية وطنية تجتمع فيها كافة قطاعات الشعب العامل من أساتذة معلمين وعمال وطلبة ومواطنين لمواجهة ووضع حد أولاً لفلتان الأسعار ورفعها وليس ارتفاعها الجنوني من قبل مافيات التجار والسوبرماركات والتلاعب بتاريخ الانتاج ووضعهم أردأ الأنواع الاستهلاكية وغياب مواد أساسية عن الدعم بل والتواجد كحليب الأطفال والحليب المستهلك العادي والسكر والرز وغيره». ودعا الحراك «جميع المتعاقدين الى الالتزام بهذا التوجه النضالي لما فيه مصلحة كل متعاقد لا يقبض راتبه كل أخر شهر وممنوع من الضمان الصحي والتطبب وبدل النقل وغيرها من الحقوق».

فهل تنجح حملة المقاطعة هذه خصوصاً وأنه لحملات المقاطعات تاريخاً طويلاً ومهماً في المساهمة بالتغيير الاجتماعي، فبعضها تمكّن من تغيير التاريخ مثل حملة مقاطعة السكر الذي ينتجه العبيد في إنجلترا وذلك على خلفية رفض البرلمان إلغاء قانون العبودية في 1791، فتسببت هذه المقاطعة بخفض نسبة بيع السكر الإنجليزي إلى الثلث تقريباً بينما ارتفعت نسبة مبيعات السكر الهندي -غير الملوّث بالرق- إلى 10 أضعاف، فكانت هذه المقاطعة نقطة انطلاق احتجاجات ومقاطعات أخرى ساهمت أخيراً بإلغاء العبودية من قانون البلاد.

للإطلاع أكثر على مضمون هذه الدعوة، قامت «الديار» بالإتصال برئيسة اللجنة الفاعلة للاساتذة المتعاقدين في التعليم الأساسي الرسمي، السيدة نسرين شاهين التي إعتبرت أن الدعوة إلى المقاطعة يجب أن تشمل كافة المواطنين خصوصاً وأن الأزمة المعيشية بدأت منذ وقت طويل وهي مرتبطة بسعر صرف الدولار من جهة، ومن جهة أخرى بالفساد المستشري بين معظم المواطنين من تجار وغيرهم كما هو بين السياسيين، وأردفت معتبرة أن عمليات إحتكار السلع زادت من وتيرة الفساد والظلم، وكان يجب أن تقوم هذه الحملة منذ وقت طول.

اما عن أهمية المقاطعة إعتبرت شاهين أن الضغط على التجار من خلال عدم الشراء يدفعهم إلى خفض الأسعار حتماً بهدف المبيع وتفادي الخسارة، كما وأنه بالإضافة إلى إحتكار الأسعار بتنا نرى نوعية رديئة جداً من البضائع التي لم يعتد عليها المواطن اللبناني من جهة، ومن جهة أخرى بات واضحاً إختفاء معظم المواد الأساسية كالحليب والسكر والرز بسبب تخزينها في المستودعات لتحقيق هامش أرباح أكبر.

وعن مدى إحتمالية نجاح الحملة، تتوقع شاهين أن تكون نسبة الالتزام ضئيلة كون معظم اللبنانيين بطبعهم لم يعتادوا على التوحد على تحركات مطلبية بشكل واسع ، ويكتفوا بالإنتقاد على وسائل التواصل الإجتماعي والإتكال على الأخر الإحداث فرق الامر الذي يزيد ايضاً من الفساد المجتمعي،وتعتبر شاهين أنه كان لا بد من القيام بهكذا نوع من الحراك كصرخة لإرساء ثقافة الإعتراض والإحتجاج للمطالبة بالحقوق الأساسية كما حصل في العديد من الدول من مقاطعة البنزين والبيض وغيره من المنتجات التي تم رفع اسعارها بشكل غير عادل.

ختاماً ترى شاهين أنهم كلجنة فاعلة لحقوق المتعاقدين كان لديهم الكثير من التحركات المطلبية من اعتصامات ووقفات احتجاجية كونهم موظفين محرومين من حقوقهم من قبل الدولة ممثلة بوزارة التربية، خصوصاً وأن الاساتذة المتعاقدين مع الوزارة والمستعان بهم ضمن برنامج التعليم الشامل لم يتقاضوا رواتبهم منذ العام الماضي، في ظل تضارب بين ما اعلنته الجهات المانحة من دفع للاموال وما تغاضت عن سداده الوزارة رغم مرور ثلاثة أشهر على الإضراب.

عندما توجه المهاتما غاندي للهنود قائلاً: «كلوا مما تنتجون، والبسوا مما تصنعون، وقاطعوا بضائع العدو.. احملوا مغازلكم واتبعوني»، كان يعلم أن القوة والقرار للشعب المستضعف الذي وجد نفسه يدفع ثمن ما ينتجه أكثر مما يتقاضى على إنتاجه. هكذا هو الحال اليوم في لبنان ولكن بفارق بسيط، نحن لا ننتج، وإذا انتجنا نقوم حينها بإستيراد المواد الأولية وبالتالي ما زلنا غير منتجين!

فهل يستطيع حراك المتقاعدين إحداث فرق ولو بسيط أو ينجح في بث روح النضال الوطني في مواجهة منظومة فساد تبدأ من رئيس الحكم وتنتهي عند أصغر تاجر محتكر؟ فلننتظر ونرى!