عاقل يفهم

سمعته يحاضر في العفّة ويسأل كيف لنا ان نحارب الفساد؟

وما هو دورنا في استئصال الاعوجاج من مجتمعنا؟ ومن اين نبدأ في محاربة اللصوص؟

كان يفيض ويسهب في شرح معاني الشفافية وطرق الادارة الصالحة الناجحة لما فيها خير المجتمعات وتقدّم الدول.

كنت بصحبة مواطن لبناني نقوم بزيارة احدى المرجعيات السياسية القديمة الجديدة وكنت قد تهيأت لهذه الزيارة كصيّاد محترف في رحلة صيد في رومانيا.

كان في جعبتي اسئلة عديدة محرجة، اعتبرتها سلاحا فتاكا وفي غمدي وقائع أليمة اردت ان اواجه بها، اعتبرتها سيف الحق القاطع.

كنت قد تحضرت لهذه الزيارة لأكثر من اسبوع معتبرا انها فرصة كلّ مواطن لبناني كادح يعمل بصمت وقد جاءت الفرصة لكي يقول باسم هؤلاء الكادحين ما يجب ان يقال.

كان المسؤول غير المسؤول يشرح ويغوص في التفاصيل المملّة ويعلّم - بمفهومه - الحاضرين اصول السياسة وادارة الدولة وكيفية رعاية شؤون وشجون العباد والبلاد وكان الحاضرون في صمت تام يرمقونه وينصتون اليه كأنه يسوع الناصري يعلّم الجموع او كأنه امير المؤمنين يخبّر عن اصول العدالة في زمن خلافته.

اما انا فكنت حابسا انفاسي وكاتما ردات فعلي وسخريتي المعهودة.

طال الحديث لأكثر من ساعة والكلّ على حاله وانا ازيد في غلياني بل بدأت اعرق كأن جسمي بدأ يفرز سموم الاكاذيب ويتقيّأ الاضاليل التي سمعتها.

عند الانتهاء من محاضرته بدا عليه الغرور والامتنان والرضى الشخصي كمن حاضر في اعرق جامعات بريطانيا، اخذ الكلام احد معاونيه (الاوفياء) متوجّّا بكلامه الى الحضور قائلا:

«اذا حدا من الموجودين بحب يستفهم عن شي قالو (...) يكتبو ع ورقه ويعطيني اياها».

هنا بدأ هذا الوفي بتوزيع قصّاصات ورق على الحاضرين واقلام حبر وعندما وصل اليّ، قلت له (معي ما بدّي) وكأنني اوجّه كلامي للاصيل لا للبديل.

في هذه الاثناء كانت الحشود تتوافد لتلقي سلامها على هذا المسؤول او لتتبارك من قربها له كأنها من كأسه منتشية.

انا كنت اراقب الشاردة والواردة كطفل ضائع في غرفة ألعاب للكبار ليست له بل لا يريدها ولا يريد ان «يراها» في الاصل.

كنت قد بدأت اتعب تعبا نفسيّا بمجمله تعبا لم اذق طعمه في العمل الشريف الذي اقوم به كل يوم. قد بدأت اشعر ان الكل يدرون بحالتي الظاهرة وغير الظاهرة ويريدون مساعدتي.

كنت اقول لنفسي يا ليت التطبّع يغلب الطبع ويا ليتني درست التمثيل ولو لحصّة واحدة في حياتي، بل يا ليتني تعلّمت الخداع والغش لقد حان وقت استعمالهما.

في ظلّ هذه الصور والاحاسيس المشوّشة واللااحاسيس سمعت من بعيد احدا يندهني باسمي ويبادر بتقديمي الى هذا المسؤول قائلا كلاما جميلا عنه بلساني شارحا له مدى محبتي وتقديري له مستفيضا في المديح والكلام المعسول وطالبا مني ان اوجّه (كلمة) (....).

صمت رهيب ساد القاعة، شعرت به كأنه دهر من العذاب وها قد حان وقت الحساب. لقد حدّقت بوجوه الحاضرين ورأيت وجه ابليس للحظة وتمنيت الذهاب معه لأهرب مما اريد ان افتلعه بنفسي وبضميري.

وهنا بدأت حفلة الكذب والرياء (وصحّ القول: حسب السوق بدّك تسوق). كنت منفعلا جدا، مؤيدا كلامه بتفاصيله مساندا له في مواقفه (الوطنية) مدافعا مشجّعا ومناصرا له!

استمرّت حفلة الكذب لبضع دقائق وبدا الحاضرون ممتنين منّي ومن الذين استصحبني اذ بدا على وجه صاحبي علامات الرضى والامتنان كأنه يسلّف هذا المسؤول على حسابي خدمات وتوظيفات (وتمريقات).

وما كدّت انتهي من كلامي حتى علا الصفيق في القاعة ممزوجا بكلمات «كاذبة» من رفيقي (انت ابن اصل).

فضحكنا وكان الضحك منّا سفاهة وحُقّ لسكان البسيطة ان يبكوا (المعرّي)

شعرت بعدها كأنني نكرت المسيح قبل صياح الديك وطعنته بحربة الخيانة واذقته مرّ ريائي، او كأنني ظلمت الحسين في كربلاء.

اخيرا اقول ان السخرية هي صديقة الشعوب المقهورة وهي طريقة من طرق التعبير المبطّن التي تسمح للكاتب بأن يعبّر عما يجول في خاطره بطريقة لاذعة ناقدة مليئة بصور الضحك والاستهزاء.

ادعو كلّ منا ان يمارس السخرية بأشكانها السياسية والاجتماعية والاقتصادية علّه ينسى ما نمرّ به من ازمات ومصائب.

ما ندمت على سكوتي مرّة، لكنني ندمت على الكلام مرارا.