اندلعت في الايام الاخيرة حزب البيانات الساخنة بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية في جولة جديدة من التصعيد المستمر بين الطرفين منذ فترة طويلة. لكن اللهجة التي استخدمت هذه المرة في البيانات المتبادلة تميزت بسقف عال يطرح علامات استفهام حول الاسباب والخلفيات الحقيقية لهذا التصعيد بين ما يسمى بالثنائي المسيحي.

ومنذ توقيع تفاهم معراب عام ٢٠١٦ لم تستقم العلاقة بين الطرفين رغم تحقيق خطوات مشتركة ابرزها تاييد القوات لانتخاب الرئيس عون وتقاسم المقاعد في حكومة الرئيس الحريري. وبدا واضحا ان التفاهم الذي اخذ جهدا ووقتا طويلين مبني على اسس هشة ويفتقد عاملا اساسيا هو الثقة بين الطرفين.

ومع بدء اهتزاز التفاهم وبروز الخلافات قيل ان التيار والقوات فشلا في تقاسم الحصص المسيحية في الدولة التي تشكل ذخيرة مهمة لهما في توسيع نفوذهما السياسي والشعبي، واخذ كل طرف يتهم الآخر بخرق التفاهم والانقلاب عليه. فاعتبرت القوات ان التيار مارس سياسة الهيمنة والاستئثار بالمراكز المسيحية في كل ادارات ومرافق الدولة على حسابها والآخرين في الشارع المسيحي، بينما رأى التيار ان القوات لم تلتزم اصلا بالتفاهم وحاولت ان تؤدي دور الشريك في السلطة ودور المعارضة في آن معا طلبا للكسب الشعبي على حساب التفاهم.

وقبل وخلال حكومة الرئيس الحريري اخذت الخلافات تتوسع بين الطرفين وبدأ تفاهم معراب يترنح اكثر فاكثر رغم محاولات الترقيع ومد الاوكسجين به من جديد.

ومنذ ذلك الحين صارت المناوشات والسجالات بين الطرفين هي القاعدة وصار التوافق على قانون او ملف بينهما هو النادر والاستثناء، خصوصا في مجال حرص كل واحد منهما على اظهار دفاعه عن حقوق المسيحيين.

ويقول مصدر سياسي ان التفاهم بين التيار والقوات كان محكوما بالفشل لاسباب عديدة تبدأ بأزمة الثقة، وتمر بغياب برنامج تطبيقي واضح له، وتنتهي بالخلاف الحاد بينهما حول القضايا الاستراتيجية والسياسة الخارجية، ومما لا شك فيه، يضيف المصدر، ان العامل الاساسي في عدم نجاح التفاهم هو التنافس الحاد بين الطرفين على استقطاب الشارع المسيحي الذي ترجم بالمعارك الانتخابية النيابية والبلدية في كل لبنان وانعدام الاتفاق على الحد الادنى من تنظيم هذا التنافس.

ويعتقد المصدر ان خلاف التيار والقوات حول القضايا الاستراتيجية يشكل عاملا مهما من عوامل ضعف التفاهم بينهما لكنه لا يمنع ان يتفاهما على الامور الداخلية الاخرى، وهذا لم يحصل كما حصل بين اطراف اخرى لم تجمعها اتفاقات او تفاهمات، وبرأيه ان الثنائية المسيحية من خلال تفاهم معراب لم تكن تجربة ناجحة رغم دعم ومساندة بكركي لها في المرحلة الاولى. وان تجربة الثنائي الشيعي لا تنطبق على التجربة المسيحية لأسباب عديدة منها اتفاق امل وحزب الله في القضايا الوطنية والاستراتيجية والسياسة الخارجية الى جانب التفاهم القوي حول التحالف السياسي والانتخابي وتنظيم التباين على بعض الاستحقاقات والملفات كما حصل في انتخاب الرئيس عون الذي دعمه الحزب بقوة وعارضه الرئيس بري.

وعن اسباب اندلاع التراشق العنيف الاخير بين التيار والقوات يقول المصدر السياسي «علينا ان ندرك ان هذه السجالات صارت بعد انتفاضة تشرين وخروج القوات من حكومة الحريري هي القاعدة في علاقات الطرفين، وان كلما اشتدت الازمة وكلما اقتربنا من الاستحقاق الانتخابي كلما شهدنا مزيدا من التصعيد بينهما لسبب او من دون سبب، لان كلا منهما سيجتهد لتحميل الآخر المسؤولية في اطار المعركة السياسية المفتوحة بينهما والتي يرشح ان تتسع اكثر فاكثر».

ويخوض التيار معركته السياسية في وجه القوات وباقي خصومه تحت شعار فتح ملفات الفساد ومعركة التدقيق الجنائي واسترداد الاموال المنهوبة. بينما تعتمد القوات على منهجية اخرى متسلحة برفع المطالب الشعبية واستثمار الوضع المنهار في وجه العهد ورئيس الجمهورية والتيار. وتحاول ايضا ان تستثمر النقمة الشعبية بعد ان سعت بعد ١٧ تشرين الى الانخراط في صفوف الثورة والنزول بين حين وآخر الى الشارع.

وفي مثل هذا المناخ التصعيدي المستمر بين التيار والقوات بات طبيعيا ان نشهد مثل هذه الموجات من التوترات والسجالات الساخنة بين الطرفين في معركة «المتراس السياسي» المرفوع بينهما حتى اشعار اخر.

ويقول مصدر نيابي في القوات اللبنانية للديار» ان ليس هناك من سبب محدد لما حصل، لكن التيار كلما انحشر نتيجة فشل العهد وفي ظل الانهيار المستمر بسبب سياسته وادائه يحاول ان يغطي فشله بالهجوم على الآخرين لا سيما القوات. انهم يتذرعون بأي شيء لافتعال المعارك الوهمية من اجل تغطية وتعمية الحقيقة.»

ويضيف: موقفنا معروف، نحن مع التدقيق الجنائي وكنا اول من طالب بفتح ابواب المحاسبة في كل المجالات وباسترجاع الاموال المنهوبة وحماية اموال الناس، ولنا مآخذ عديدة على سياسة مصرف لبنان، لكن اذا طالبنا الى جانب ذلك بحماية الناس ومعيشتهم وبرغيفهم وقوتهم وبالبنزين والكهرباء وغيرها ووضعنا هذه الامور ايضا في الاولويات نفاجأ بتصدي التيار لنا واتهامنا بالشعبوية محاولا التملص من المسؤولية بشتى الوسائل.

ويرى المصدر القواتي انه «عندما يصل اي طرف او تيار او حزب الى الافلاس السياسي يلجأ كما يفعل التيار الى التصعيد والى رمي الاتهامات يمينا ويسارا، انهم يرمون الاتهامات على الآخرين لتبرئة العهد من الحال الذي وصلنا اليه».

ويرد مصدر نيابي في التيار الوطني الحرّ بالقول للديار «هم يريدون تعطيل كل شيء، ويسعون دائما الى الربح الرخيص. لقد انزعجوا من خطاب الرئيس عون والصدى الذي احدثه على الصعيد الشعبي، فلجؤوا الى التصويب عليه وبادروا الى التصعيد في محاولة لتسخيف الموضوع. واذا كانوا فعلا مع التدقيق الجنائي عليهم اعطاء فرصة للمباشرة به وتحقيقه بدلا من الوقوف عمليا في وجهه».

ويضيف المصدر «الانتخابات النيابية بعد سنة، وهذه هي سياسة القوات دائما انهم يلجؤون الى الشعارات الشعبوية. لقد خبرناهم جيدا وخبرنا سياساتهم في الحكومات. كانوا صامتين ويوافقون في الداخل على كل القرارات وكل ما يحصل ثم يلجؤون في الخارج الى المواقف الشعبوية ويتنصلون من مواقفهم الداخلية. واليوم ينكفئون عن المعارك الاصلاحية ويكتفون بالعراضات الاعلامية. لكن اللبنانيين خبروا هذه الاساليب وباتوا يعرفون كل شيء».

وتابع «هم يلجؤون بين فترة واخرى الى مثل هذا التصعيد، ويركزون على العهد ورئيس الجمهورية ويحاولون للنيل منه ومن التيار ظنا منهم ان يستطيعون ان يربحوا بعض الاصوات المسيحية لكنهم مخطئون وواهمون لانهم لن يستطيعوا اصطياد شعبية او زيادة رصيدهم منا او من الآخرين».