تعديل المرسوم 6433 أقلق العدو الذي كان مطمئناً للخلافات الداخلية حوله.. وقد يردّ بالمثل


فيما لا يزال لبنان ينتظر أن تُسمّي الإدارة الأميركية الجديدة مع تولّي الرئيس جو بايدن مقاليد السلطة في البيت الأبيض، إسم الوسيط الأميركي الذي سيُشارك في المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية بينه وبين العدو الإسرائيلي، يزور وكيل وزارة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى لبنان اليوم الأربعاء وغداً الخميس للتأكيد على قلق بلاده من تدهور الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية، بحسب ما ورد في البيان الصادر عن وزارة الخارجية الاميركية. فلبنان يريد استئناف هذه المفاوضات التي عُقدت بين 14 ت1 و11 ت2 والتي عُلّقت من قبل العدو الإسرائيلي تحت ذرائع عدّة، فيما يأتي هيل لوداع المسؤولين وحثّهم على تحريك الملف الحكومي والإسراع في تشكيل الحكومة لإنقاذ الوضع الإقتصادي من دون أن يكون له أي موقف حازم لا من الحكومة ولا من ترسيم الحدود، كونه يُمثّل سياسة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب وليس سياسة الرئيس الحالي جو بايدن. فهل ستكون زيارة هيل وداعية وتقتصر فقط على جمع المعلومات لكتابة تقرير نهاية خدمته في منصبه الحالي إذ ستخلفه بعد أسبوعين السفيرة فيكتوريا نولاند، أم أنّها ستحمل بعض المقترحات حول تشكيل الحكومة وترسيم الحدود البحرية بين لبنان والعدو الإسرائيلي؟!

أوساط ديبلوماسية مواكبة أكّدت أنّ السفير هيل لم يكن معنياً بموضوع ترسيم الحدود البحرية في الأساس، فهذا الملف تولاه في وقت سابق السفير ديفيد ساترفيلد، ثمّ انتقل بعد تعيينه سفيراً للولايات المتحدة في تركيا، الى ديفيد شينكر الذي حضر الجلسة الإفتتاحية للمفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية مع العدو الإسرائيلي في الناقورة التي جرت على خمس جلسات برعاية واستضافة الأمم المتحدة وبحضور الوسيط الأميركي جون ديروشر الذي عيّنته إدارة ترامب. وإذ جرى تعليق جلسات هذه المفاوضات في فترة عيدي الميلاد ورأس السنة الفائتين، وجرى التمنّي أن يُعاود تحديد موعد استئنافها بعد استلام إدارة بايدن السلطة في الولايات المتحدة، سيما وأنّ الوسيط الأميركي يلعب دوراً محورياً وأساسيّاً فيها، فإنّ لبنان ينتظر، على ما سبق وأن قال وزير الخارجية والمغتربين شربل وهبة لجريدة «الديار» أن تتخذ إدارة بايدن إمّا الإبقاء على الشخص نفسه (أي السفير ديروشر) أو تعيين شخص آخر يُمثّل الإدارة الجديدة. فهل يحمل هيل في جعبته إسم هذا الوسيط أم يبقى في جعبة الوكيلة الجديدة، سيما وأنّ وضعه الحالي لا يسمح له بالحلّ والربط في موضوع ترسيم الحدود كونه سيُغادر منصبه بعد أسبوعين؟!

وقالت الاوساط بأنّه في الوقت الذي يكون فيه هيل في بيروت خلال هذين اليومين، يقوم الرئيس المكلّف تشكيل الحكومة سعد الحريري بزيارة الى موسكو، ومن بعدها يزور الفاتيكان في 22 نيسان الجاري، ما يعني بأنّ أي اقتراح سيقدّمه هيل، (وهو لن يفعل، على ما يؤكّد المراقبون السياسيون)، لن يكون له أي تأثير في مسألة تشكيل الحكومة الجديدة لا سلباً ولا إيجاباً. وترى بأنّ هيل سيكون هذه المرّة مستمعاً للمسؤولين والشخصيات التي سيلتقيها خلال وجوده في لبنان ليتمّكن من كتابة تقرير نهاية خدمته في المنصب الحالي ورفعه لإدارة الرئيس بايدن.

وأشارت الأوساط نفسها الى أنّه ليس من موقف واضح بعد لإدارة بايدن فيما يتعلّق بالملف اللبناني. فالإدارة الأميركية الجديدة تصبّ كلّ اهتماماتها حالياً على موضوع الإتفاق النووي الإيراني مع مجموعة الخمس زائد واحد، الذي خرجت منه إدارة ترامب. وتولي اهتماماً لدول عدّة في المنطقة منها العراق واليمن، فيما تترك الملف اللبناني حاليّاً في يد السفيرة الأميركية فيه دوروثي شيّا التي يُظهر أداؤها بوضوح تدخّلها في كلّ شاردة وواردة في الداخل اللبناني. وذكرت بأنّ شيا تُواكب موضوع المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية بين لبنان والعدو الإسرائيلي منذ أن جرى تعليق هذه المفاوضات. والجميع رأى كيف تدخّلت أخيراً لثني المسؤولين اللبنانيين عن توقيع تعديل المرسوم 6433 وإرساله الى الأمم المتحدة، وقد ابلغتهم رسائل شديدة اللجهة عن مخاطر تعديل المرسوم المذكور محذّرة من ردّة فعل العدو الإسرائيلي عليه.

من هنا، شدّدت الاوساط الديبلوماسية على أنّ الموقف الأميركي مع بايدن يبدو مختلفاً بطبيعة الحال عمّا كان عليه في عهد ترامب الذي أراد تمرير «صفقة القرن» في منطقة الشرق الأوسط، وتوزيع الأموال على بعض دولها بحجّة أنّها مساعدات لتحسين الأوضاع الإقتصادية وإيجاد فرص العمل للشباب فيها. ولهذا فإنّ بايدن لا يبدو مهتمّاً للتدخّل في تفاصيل تشكيل الحكومة في لبنان، بل كلّ ما يهمّه اليوم هو تغيير الأكثرية القائمة وعدم «تحكّم» حزب الله في الحكومة، وإذا أمكن عدم مشاركته في الحكومة الجديدة يكون أفضل. أمّا التغيير فيحصل في صناديق الإقتراع وإجراء الإنتخابات النيابية في موعدها أي في أيّار من العام المقبل، ما يجعل إدارة بايدن لا تستعجل أي أمر.

وفيما يتعلّق بتعديل لبنان للمرسوم 6433 وإرساله الى الأمم تزامناً مع زيارة هيل للبنان، فتقول الاوساط بأنّ مثل هذه الخطوة تُسجّل للبنان، على أنّه قام بأمر جيّد كونه قرار يتعلّق بالحفاظ على السيادة اللبنانية، ويُعيد له كرامته الوطنية المهدورة في هذا الملف بالذات. كذلك أثبت هذا التعديل أنّ لبنان لا يزال يملك القدرات والإمكانات لا سيما عندما يتخذ موقفاً موحّداً يصبّ في مصلحته ومصلحة شعبه. والأهمّ من ذلك كلّه، أنّه فيما كان يُحكى عن خلافات بين المسؤولين اللبنانيين حول تعديل وتوقيع هذا المرسوم، الأمر الذي طمأن العدو الإسرائيلي وجعل السفيرة الأميركية تتحرّك في اتجاه المسؤولين وتحذّرهم من تعديله، كون العدو الإسرائيلي سيكون لديه ردّة فعل قويّة عليه، اتخذ المعنيون من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، ورئيس الحكومة المستقيلة حسّان دياب، ووزيري الدفاع زينة عكر والأشغال العامّة ميشال نجّار القرار المناسب الذي يضمن حقّ لبنان في ثروته الغازية والنفطية. وقد أظهر هذا الأمر وحدة الموقف اللبناني وأنّه ليس من خلاف داخلي بين المسؤولين اللبنانيين لا سيما إذا ما تعلّقت المسألة بالحفاظ على حقوق لبنان البحرية والبريّة.

وبرأي الأوساط ذاتها، إنّ محاولات العدو الإسرائيلي الضغط على شركات التحالف (الكونسورتيوم)، ولا سيما شركة «توتال» الفرنسية لعدم البدء بالتنقيب في البلوك 9 كونه يدخل في مثلث النزاع البحري (ومساحته 860 كلم2) بين لبنان والعدو الإسرائيلي، سوف ينعكس أيضاً على شركة «إنرجين» اليونانية الذي لزّمها هذا الأخير شفط الغاز والنفط في أوائل حزيران المقبل، في حقل «كاريش» الذي يدخل في جزء كبير منه ضمن المساحة الإضافية التي وسّع فيها لبنان منطقة النزاع والتي تصل الى 1430 كلم2. فإذا غادرت «توتال» ستُغادر «إنرجين» أيضاً، لأنّ العدو الإسرائيلي إذا لم يتفهّم خطوة لبنان الأخيرة المتمثّلة بتعديل مرسوم الحدود البحرية وفق الإحداثيات الجديدة، وسيردّ على هذه الخطوة بخطوة مماثلة، على ما قال وزير الطاقة الإسرائيلي، فسيكون هو المتضرّر الأكبر بطريقة غير مباشرة. فالعدو الإسرائيلي قد أنجز عمليات الحفر في حقل «كاريش» وسيبدأ بسحب الثروة النفطية من البلوك 72، لهذا فهو مستعجل أكثر من لبنان على إنهاء عمله، فيما لبنان لا يزال في الخطوة الأولى من عملية التنقيب التي يأمل منها الحصول على كميات كبيرة من النفط والغاز لتحسين الوضع الإقتصادي العام في البلاد ولو بعد سنوات من الآن.

أمّا وكيلة وزارة الخارجية الأميركية الجديدة والتي ستتسلّم مهامها بعد أسبوعين فهي فيكتوريا نولاند. ونولاند، بحسب المعلومات، تتحدّر من عائلة يهودية، وتعمل في السلك الديبلوماسي منذ 32 عاماً. وقد كانت أخيراً مساعدة وزير الخارجية السابق للشؤون الأوروبية والأوروبية الآسيوية في وزارة الخارجية الأميركية، وحصلت على رتبة سفيرة مهنيّة، وهي أعلى رتبة ديبلوماسية في وزارة الخارجية الأميركية. وهي تتكلّم الى جانب الإنكليزية اللغتين الروسية والفرنسية. فهل ستقوم نولاند بزيارة الى لبنان فور تسلّمها مهامها الجديدة، لتُعلن إسم الوسيط الجديد الذي سيُشارك في المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية، أم ستُعلن موقف العدو الإسرائيلي عن موعد استئناف أو توقّف المفاوضات بشكل نهائي؟!