عون تصلّب بعد العقوبات على جبران.. والحريري ينتظر الغطاء السعودي

برزت مؤخرا تطورات ومواقف تؤشر الى ان هناك محاولات خارجية وداخلية للدفع باتجاه انزلاق لبنان نحو مزيد من التوتر والفوضى، وتجاوز الكباش الحكومي الى مواجهة مفتوحة بين اللبنانيين حول قضايا كبرى حساسة تفجر الوضع برمته وتتعدى تداعياته لبنان.

وتؤكد الوقائع الاخيرة ان الازمة الحكومية ليست ازمة صراع داخلي او خلاف على الحصص والحقائب والاسماء فحسب بقدر ما هي ازمة مركبة تتداخل فيها عوامل واسباب داخلية وخارجية. واذا كانت الخلافات بين بعبدا وبيت الوسط قد شكلت على مدى الاشهر الستة الماضية سببا اساسيا في اعاقة تاليف الحكومة، فان التدخلات والضغوط الخارجية ساهمت في تسعير هذا الخلاف وتحويله الى معركة سياسية مفتوحة تتجاوز الملف الحكومي.

وفي قراءة عامة لسير المحاولات والمساعي التي بذلت من اجل ازالة العقد من امام التاليف، يبرز بوضوح ان كلا من طرفي الصراع عون والحريري تدرج في التصلب والتشدد لاسباب عديدة يمكن رصدها بسهولة من دون عناء او تمحيص.

ما هي هذه الاسباب وكيف تطورت؟

يقول مصدر محايد ان هناك ازمة ثقة بين عون والحريري منذ التكليف، فالاول لم يكن متحمسا للتعاون مع الثاني بعد اقدامه على الاستقالة في بداية الانتفاضة وسحب يده من المسؤولية وآثار سياسة حكومته التي تالفت بتسوية واضحة بين الطرفين.

لكن رئيس الجمهورية بعد التكليف حاول التعامل مع الامر الواقع، والمشاركة مع الرئيس المكلف في تاليف حكومة تحفظ حقوقه حقوق التيار الوطني الحر ورئيسه وفق تسوية جديدة تاخذ بعين الاعتبار المتغيرات بعد ثورة ١٧ تشرين لكنه اصطدم برفض الحريري الاجتماع والتفاوض مع باسيل ومحاولة تجاوزه وحصر التفاوض معه كرئيس للجمهورية. وهذا ما صعب المهمة وزاد من ازمة الثقة بين الرجلين.

من جهته حاول الرئيس الحريري ان يستثمر مفاعيل الانتفاضة الشعبية والضغوط الخارجية في اطلاق يده اكثر من السابق في تشكيل حكومة غير حزبية تكون مطواعة اكثر في فرض ايقاعه على ادائها وسياستها وبرنامجها الاصلاحي.

من هنا، يضيف المصدر، برز اكثر اصرار عون على المشاركة في كل تفاصيل الحكومة وتشدده في تكبير حصته وحصة التيار الوطني الحر وفق صيغ متعددة في اطار ما يعتبره حقا دستوريا وميثاقيا وتمثيليا.

وفي ضوء ذلك تفاقمت ازمة الثلث المعطل والنصف زائد واحد، وتحولت الى عملية عض اصابع شرسة على وقع التدخلات والعوامل الداخلية والخارجي الضاغطة التي تاخذ اشكالا مختلفة منذ التكليف وحتى اليوم.

فبعد فرض ادارة الرئيس الاميركي السابق ترامب عقوبات ضد جبران باسيل، اخذ ألرئيس عون يتعامل مع عملية تاليف الحكومة بحذر اكبر وتشدد اقوى في المفاوضات مع الحريري، آخذا بعين الاعتبار ابعاد القرار الاميركي وخطوة ادارة ترامب التي اعتبرت انها ضغط اضافي ليس على باسيل فحسب بل على رئيس الجمهورية لتقديم تنازلات تتجاوز الملف الحكومي.

وحاول الرئيس عون بداية استيعاب صدمة القرار الاميركي ضد صهره والتخفيف من وقعه وإثاره لكنه اصطدم بتعنت ادارة ترامب واصرارها على محاولة فرض شروط صعبة على العهد وتياره ابرزها فك الارتباط بينه وبين حزب الله او على الاقل استبعاده كليا عن عملية تاليف الحكومة.

وبعد سقوط ترامب ومجيء الرئيس بايدن، برز الرهان على تغيير في تعاطي ادارته مع الملف اللبناني والتراجع عن قرارات الادارة السابقة ومفاعيلها. لكن الادارة الجديدة لم تضع الملف اللبناني حتى الآن في اولويات جدول اعمالها وابقت الوضع على ما هو عليه دون اللجوء الى عقوبات او اجراءات جديدة. ومن الواضح انها تربط خطواتها تجاه لبنان بنتائج التفاوض الشاق الذي بداته مع طهران.

وتنفي اوساط قريبة من بعبدا ان يكون عون قد عدل من موقفه بشان الحكومة، مشيرة الى ان الضغوط الخارجية ليست جديدة، وان موقفه ينطلق من البداية من الاسس الدستورية ومن صلاحيات رئيس الجمهورية في تاليف الحكومة.

وتضيف ان ما طالب به منذ البداية لم يتغير ولم يتبدل ويتلخص بالشركة مع الرئيس المكلف في تاليف الحكومة بشكل متوازن يأخذ بعين الاعتبار المجيء بوزراء غير حزبيين وكسب ثقة المجلس النيابي في آن معا.

وترى الاوساط ان الرئيس الحريري هو من يتأثر بالضغوط والهواجس ذات البعد الخارجي ويخضع لها، وانه يمارس سياسة الهروب الى الامام متذرعا بحكاية الثلث المعطل. لكن الحقيقة هي غير ذلك تماما، فهو ينتظر رفع الفيتو السعودي عنه متوسلا كل السبل والوسائل، لذلك يفضل سياسة التاخير والانتظار والمماطلة.

من جهة اخرى يبدو واضحا، وفق المصدر نفسه ان الحريري الذي وعد بحكومة خلال اسبوعين او ثلاثة فوجىء بتصلب وتشدد الرئيس عون وصهره باسيل رغم الاضرار التي اصابتهما من انتفاضة ١٧ تشرين. ولم يتمكن في الوقت نفسه من تامين غطاء سعودي لتكليفه وتاييد صريح من واشنطن، لذلك عدل موقفه ولم يعد مستعجلا التاليف مفضلا استخدام ورقة التكليف لتحسين موقفه في الداخل وتحويلها الى جواز سياسي خارجي مفيد في معركته مع عون.

ويقول المصدر ان الحريري بعد التضييق على باسيل من الخارج والداخل بدا اكثر تشددا مع الرئيس عون في الشكل والمضمون، متمسكا بورقة التكليف كورقة سياسية تخلق توازنا دستوريا في معركته مع رئيس الجمهورية.

وترفض اوساط الحريري مثل هذه التحليلات والتفسيرات، مشيرة الى انه لم يخرج عن الاطار الذي رسمه قبل وبعد تكليفه تشكيل الحكومة. فالمطلوب وفق المبادرة الفرنسية والمجتمع الدولي وتطلعات اللبنانيين بعد الثورة حكومة اختصاصيين غير حزبيين متحررة من عوامل التعطيل واولها ما يسمى بالثلث زائد واحد اي الثلث المعطل. هذا هو موقف الرئيس الحريري منذ البداية وحتى اليوم. اما الكلام الممجوج عن ازمة علاقته بالسعودية فهو من باب ذر الرماد في العيون لا اكثر ولا اقل.

ولعلّ ابرز ما تحمله التطورات الاخيرة هو لجوء بعض الاطراف الى الرهان على استخدام اسلحة خارج اطار الخلاف الحكومي من بينها التناغم في مواقف بعض الداخل والخارج في ممارسة ضغوط غير مسبوقة على لبنان تحت عنوان قديم جديد هو حزب الله ونشاطه ودوره وسلاحه.

وفي المقابل تحول ملف مكافحة الفساد الى سلاح سياسي يسعى العهد الى استخدامه لرد الهجمة عليه والمبادرة للهجوم على خصومه وسط ارباك شديد في الجسم القضائي الذي يفترض ان يعول عليه في معركة محاربة الفساد وحماية اموال الناس.

وبرأي مراجع سياسية ان استحضار هذه الاسلحة اليوم لن يساعد في تاليف الحكومة بل سيساهم في تعقيد الموقف اكثر ويوسع نطاق الخلافات والصراعات الداخلية ويؤجج الوضع ويهدد الاستقرار العام في البلاد، خصوصا في ظل الازمة الاقتصادية والاجتماعية الحادة، وبالتالي يفتح الباب امام الانزلاق الى تفجير الاوضاع.

وبدلا من تحييد الملف الحكومي عن العوامل التفجيرية نشهد اليوم محاولات لصب الزيت على النار وتاجيج الوضع برمته، ما جعل المساعي الحكومية الاخيرة تدور في حلقة ساخنة مفرغة.

وتشير المراجع الى ان المطلوب اليوم قبل اي شيء آخر تبريد الساحة السياسية والتراجع عن الحسابات والرهانات الخاطئة، والعودة الى تزخيم مسار تاليف الحكومة بذهنية الحوار والسعي الى التوافق لان البديل هو مزيد من الانهيار والفوضى.