يحاول البطريرك الماروني بشارة الراعي تحريك مياه الملف الحكومي الراكدة داخلياً، ولكن هذه المحاولة ليست سبب عودة الروح «السياسية» إلى لبنان من انطلاق هذا الأسبوع، سواء عبر زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان إلى بيروت، أو عبر زيارة الموفد الأميركي المتخصص في ملف ترسيم الحدود جون ديروشي، إلى لبنان.

تتجه ملفات المنطقة إلى حلحلة متوقعة خلال الشهرين المقبلين، تحديداً بما يتعلّق بالملف النووي الإيراني، وعلاقة إيران بالمملكة العربية السعودية، لذلك هناك من يُسارع إلى بيروت لأجل كسب «جائزة» تشكيل الحكومة. وتُشير مصادر سياسية مطّلعة إلى أن الفرنسيين يشعرون بأن مبادرتهم لم تعد تملك الاهمية نفسها التي كانت تملكها سابقاً، وذلك بسبب تبدّل الصورة السوداء المرسومة للمنطقة، وهذا ما أدركه الطرف الروسي جيداً، فهو لم يفتح أبوابه للمسؤولين لأجل السياحة، الأمر الذي أثار، رغم كل ما يُحكى عن دعم روسي للمبادرة الفرنسية، قلق الفرنسيين من انحسار دورهم في لبنان.

يقرأ الفرنسيون عودة الأميركيين إلى بيروت، من باب ملف ترسيم الحدود البحرية بين لبنان والعدو الإسرائيلي، بتمعّن، فهم يعتبرون أن خروج الأميركيين من الساحة اللبنانية وعدم اعتبارها أولوية قد منحهم أفضلية في المرحلة السابقة ولم يتمكنوا من استغلالها، وبالتالي، فإن عودتهم اليوم ستعني مزيداً من الصعوبات والعراقيل أمام المبادرة الفرنسية، وتُشير المصادر إلى أن الفرنسيين يشعرون بأن «لا حكومة» قبل حلحلة مسألة الترسيم، وهذا الملف هو اولوية الأميركيين في المنطقة، ولن يفرّطوا بأوراق الضغط التي يملكونها على لبنان.

يُفترض أن تعود طاولة التفاوض غير المباشر بين لبنان والعدو الإسرائيلي إلى الواجهة السياسية هذا الأسبوع، ولو أن كل المؤشرات تدل على أن الزيارة الأميركية تهدف الى ترتيب العودة فقط، خاصّة بعد التصعيد الكبير والمتبادل بين طرفي التفاوض غير المباشر حول الحدود والحقوق، لذلك بحال سارت الأمور بإيجابية كما يريد الأميركي، فإن هذا الأمر قد يسهّل مهمة وزير الخارجية الفرنسي في لبنان.

كذلك يشعر الفرنسيون، بحسب المصادر، بأن أي اتفاق إيراني - سعودي قد يعني انتهاء دورهم الكبير في لبنان، خاصّة إذا ما اقترن الإتفاق بدور روسي، ودعم أميركي، مشيرة إلى أن الفرنسيين يحاولون تثبيت موقعهم في بيروت، لكيلا تكون التسويات على حساب دورهم في هذا البلد.

إن كل هذه المعطيات تجعل زيارة لودريان إلى لبنان في غاية الأهمية، خاصّة أنها تأتي بعد فرض عقوبات «فرنسية» على مسؤولين لبنانيين، كان من الأفضل أن لا تصدر ضعيفة كما صدرت، إذ لم يتمكن الفرنسيون بحسب المصادر نفسها من حشد التأييد الاوروبي للعقوبات، كما أنهم اختاروا التدرج في فرضها، وهذا ما جعلها تبدو بمظهر الضعيف غير القادر على تنفيذ التهديدات بشكل جدّي، ولكن هذا لا يعني أن العقوبات لا تُثير قلق المسؤولين خاصة أولئك الذين تملّكوا في فرنسا في المرحلة السابقة ولهم فيها حسابات مصرفية، لأن فرنسا تحضّر للمرحلة الثانية من العقوبات.

يبدو أن الضوء الأخضر الأميركي للفرنسيين للعمل في الساحة اللبنانية انتهى مع عودة المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود، لذلك سيحاول لودريان تحقيق أي نقطة إيجابية خلال زيارته، ولكن لم تعد المسألة اللبنانية متعلقة بفرنسا وحدها، فهل تتمكن باريس من حجز موقع متقدم لها في مستقبل لبنان؟