تسعى المملكة العربية السعودية إلى تعميق أسواق الدين والأسهم لزيادة الاستثمار الأجنبي المباشر بهدف تأمين التمويل اللازم لرؤية المملكة 2030 وهي خطة للتحول والتنوع الاقتصادي وتنمية القطاع الخاص.

وتتضمن الخطة قيام الحكومة والكيانات ذات الصلة وكذلك القطاع الخاص باستثمارات قيمتها نحو 12 تريليون ريال سعودي (3.2 تريليون دولار أمريكي) بحلول عام 2030.

وحول مصادر تمويل تلك الرؤية تعتقد وكالة "إس آند بي غلوبال للتصنيفات الائتمانية أن البنوك ستستمر في القيام بدور مهم في تمويل رؤية المملكة 2030، ولكنها تتوقع دوراً متزايداً لسوق رأس المال المحلي.

وأضافت الوكالة في تقرير صادر اليوم الثلاثاء "علاوة على ذلك، نحن نتفهم أنه سيتم تخفيض التمويل من موازنة الحكومة المركزية وزيادة الاعتماد على ميزانيات الكيانات المرتبطة بالحكومة والقطاع الخاص الأوسع".

وتوقعت الوكالة أن نشهد زيادة تدريجية في استخدام الإصدارات المقومة بالريال السعودي مع تطور السوق المحلية. رغم أن الدولار الأمريكي سيظل العملة المفضلة للإصدار في المملكة، ويمكن أن يساعد ربط العملة بين الدولار الأمريكي والريال السعودي، والذي تتوقع وكالة التصنيف أن يظل قائماً، في جذب المستثمرين الأجانب الذين يبحثون بنشاط عن تحقيق عائدات أعلى في بيئة تتسم بانخفاض أسعار الفائدة.

الاقتصاد الخليجي الأكبر يشهد تحولاً

أشارت وكالة "إس آند بي غلوبال" إلى أن المملكة العربية السعودية هي أحد أعضاء مجموعة العشرين، كونها واحدة من أكبر الاقتصادات في العالم، حيث بلغ ناتجها المحلي الإجمالي حوالي 700 مليار دولار أمريكي في نهاية عام 2020، وهي أكبر مصدر للنفط في العالم. وأضافت أن عدد السكان في المملكة العربية السعودية هو الأكبر بين الدول الخليجية إذ يبلغ حوالي 33 مليون نسمة –يشكل السعوديون 60% منهم- في نهاية عام 2020.

ونظراً للنسبة الكبيرة للسعوديين من إجمالي عدد السكان، بالإضافة إلى متطلباتهم من السلع والخدمات، فإن حجم الاقتصاد غير النفطي في المملكة كبير وبالإضافة إلى صناعاتها الاستخراجية، لدى المملكة قاعدة قطاعات متنامية وكبيرة تشمل التصنيع والنقل والبناء وقطاع استهلاكي كبير يشمل العديد من مشغلي الأعمال بحسب الوكالة.

وقالت "إس آند بي غلوبال" إن قطاع النفط والغاز يمثل حوالي 40% من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، ولهذا فإن الاعتماد الكبير على هذا القطاع يحمل مخاطر في السنوات القادمة في ظل التوجه العالمي نحو الطاقة النظيفة. لذلك ولتقليل تأثير تقلبات سوق النفط على الاقتصاد، أطلقت المملكة العربية السعودية رؤية المملكة 2030، وهي خطة طموحة للتحول والتنويع الاقتصادي في البلاد بعيداً عن النفط.

وتستهدف الخطة إحداث تغييرات في العديد من القطاعات الرئيسية بما في ذلك الصحة والتعليم والسياحة والبنية التحتية والطاقة المتجددة والتصنيع والدفاع - وتطوير القطاع المالي. في الواقع، ستتطلب هذه الاستراتيجية موارد مالية كبيرة على مدى العقد المقبل، حيث تأمل المملكة في جمعها عبر أسواق رأس المال، من بين مصادر أخرى.

تطوير أسواق رأس المال

اتخذت هيئة السوق المالية، الجهة المنظمة لأسواق رأس المال في المملكة، على مدى العقد الماضي، العديد من الإجراءات لتطوير أسواق الأسهم ورأس مال الدين في المملكة وجذب المستثمرين الأجانب إليها.

على سبيل المثال، كانت هناك خلال السنوات القليلة الماضية العديد من المبادرات لتحسين البنية التحتية وقواعد التداول في بورصة الأوراق المالية (تداول) في المملكة، بهدف زيادة وصول المستثمرين إلى الأسواق. وقد مهد ذلك الطريق لإدراج الأسهم السعودية في مؤشر MSCI للأسواق الناشئة في عام 2019 ومؤشر FTSE Russell وS&P Dow Jones لاحقاً، مما ساهم بزيادة تعريف المستثمرين العالميين بالأسهم السعودية. وبالمثل، بدأت هيئة السوق المالية في عام 2020 في السماح للأجانب غير المقيمين بالاستثمار مباشرة في أدوات الدين المدرجة وغير المدرجة في البورصة. لقد شهدنا أيضاً زيادة ملحوظة في إصدارات السندات المدرجة من قبل الشركات السعودية، وخاصة الكيانات المرتبطة بالحكومة، والتي مثلت حوالي 90% من إصدار سندات وصكوك الشركات المدرجة البالغة 26 مليار دولار أمريكي في العامين 2019 و2020.

الاقتراض الحكومي

وبحسب وكالة "إس آند بي غلوبال"فإن انخفاض أسعار النفط بشكل حاد في بداية النصف الثاني من عام 2014، خفض رصيد الحكومة السعودية إلى مستوى العجز، مما تطلب توسيع خيارات التمويل لديها والابتعاد عن استنفادها للأصول. ونتيجة لذلك، تم إنشاء المركز الوطني لإدارة الدين في عام 2015، وبين عامي 2015 و2020 أصدرت الحكومة سندات وصكوك تجاوزت قيمتها 200 مليار دولار أمريكي، ولهذا شهدت الديون القائمة زيادة حادة .

وتتوقع "إس آند بي غلوبال"بأن يصل إجمالي حجم الديون المترتبة على المملكة إلى نحو 46% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2023، مرتفعاً من 20% في العام 2019 وقريباً من صفر في عام 2014.

وفي مارس 2020، قامت الحكومة برفع سقف الدين من 30% إلى 50% من الناتج المحلي الإجمالي، لاستيعاب المزيد من الاقتراض. حيث تتوقع الوكالة أن تظل الدولة مُصدراً نشطاً خلال السنوات القليلة المقبلة بناءً على توقعات بزيادة العجز المالي ولكن باعتدال.

مع ذلك، تبقى أسواق رأس مال الدين غير السيادية في المملكة العربية السعودية متأخرة بالمقارنة مع أسواق رئيسية أخرى على مستوى العالم. وبحسب تقديرات الوكالة فإن النسبة الإجمالية للسندات والصكوك المستحقة التي أصدرتها البنوك والشركات السعودية كما في 2 مايو 2021، أقل قليلاً من 10% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد في نهاية عام 2020. في المقابل، تقدر الوكالة هذه النسبة بحوالي 25% للبرازيل وروسيا والهند، وحوالي 50% لأكبر 20 اقتصادا في العالم، بحسب بيانات بلومبرغ. علاوة على ذلك، عندما ننظر فقط إلى الإصدارات المستحقة في المملكة العربية السعودية بالعملة المحلية، فإن هذه النسبة تنخفض إلى حوالي 3%. حيث تتوقع الوكالة أن نرى زيادة ملحوظة في هذه النسبة بما يتماشى مع الاستثمارات التي تخطط لها المملكة واحتياجاتها التمويلية.

إصدارات سندات الدين

تتوقع وكالة "إس أند بي غلوبال" أن تخصص الحكومة السعودية خلال السنوات القليلة المقبلة جزءاً من الإنفاق لسلسلة من المشاريع الكبيرة في إطار رؤية المملكة 2030 وبعيداً عن قطاع النفط. سيكون لصندوق الاستثمارات العامة دوراً خاصاً في دعم وتمويل جزءاً محدداً من الإنفاق الرأسمالي لخلق وظائف مباشرة وغير مباشرة من خلال الاستثمارات في 13 قطاعاً استراتيجياً بما في ذلك الطيران والدفاع والسياحة والترفيه والرعاية الصحية والطاقة المتجددة والتعدين والنقل.

وبحسب وكالة التصنيف فإن 24 شركة من أكبر الشركات في البلاد - معظمها كيانات مرتبطة بالحكومة مثل أرامكو السعودية وسابك تخطط لاستثمار حوالي 5 تريليونات ريال سعودي (1.3 تريليون دولار أمريكي) في عدد من المشاريع، بينما تفيد تقارير أن صندوق الاستثمارات العامة سيضخ 3 تريليون ريال سعودي. وسيتم ضخ 4 تريليونات ريال سعودي المتبقية في إطار برنامج جديد للإستراتيجية الوطنية للاستثمار. هذا يضاف إلى 10 تريليونات ريال سعودي من الإنفاق الحكومي خصصتها الحكومة مسبقاً في الميزانية.

ونظراً للحجم الكبير والطبيعة طويلة الأجل للاستثمارات في إطار رؤية المملكة 2030، لن يكون القطاع المصرفي وحده قادراً على تلبية الاحتياجات التمويلية. في حين أن السيولة لا تزال متوفرة في النظام المصرفي ونظراً لتمتعه بتمويل جيد ورسملة قوية، إلا أنه يخضع للوائح مخاطر تركيز دفتر القروض وقيود حول تحول الاستحقاق (اقتراض الأموال لفترات زمنية أقصر من الإقراض). لذلك تتوقع وكالة التصنيف أن يأتي جزء كبير من الأموال من سوق رأس المال، مما يؤدي إلى إعادة التوازن التدريجي للنظام المالي في البلاد وتطوير سوق رأس المال المحلي الأوسع.