رغم حماوة المشهد اقليميا ودوليا، سواء على جبهة فلسطين المحتلة او على جبهات التفاوض الممتدة من فيينا الى العراق ودمشق، ظلت الحماوة الداخلية هي المسيطرة يوم أمس على المشهد اللبناني الذي يزداد تعقيدا يوما بعد يوم بعد انفجار كل الأزمات دفعة واحدة بوجه اللبنانيين من دون ان يرف جفن للقوى السياسية التي لا تزال متعنتة ومتمسكة بشروطها بدل الانصراف لتشكيل حكومة تنتشل ما تبقى من البلد ومؤسساته وتواكب المسارات التفاوضية فلا تأتي الحلول والتسويات المرتقبة كالعادة على حساب لبنان واللبنانيين.

وفي مشهد تضامني قل مثيله، بقيت الانظار يوم أمس شاخصة باتجاه فلسطين المحتلة، في ظل اجماع لبناني على ادانة الاجرام الاسرائيلي والمطالبة بتدخل دولي يضع حدا لارتكابات اسرائيل. وهو ما عبّر عنه رئيس الجمهورية ميشال عون بوضوح داعيا المجتمع الدولي الى «التدخل لمنع اسرائيل من مواصلة عدوانها»، مجدداً التأكيد على ان «لا سلام من دون عدالة، ولا عدالة من دون احترام للحقوق». واذ حيا عون صمود الشعب الفلسطيني، اعتبر ان «طغيان مبدأ القوة والتهجير وسلب الحقوق لن يؤدي إلا الى مزيد من العنف والتمادي في الظلم وانتهاك القوانين والقرارات الدولية المتعلقة بحق الشعب الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس».

ويسود الحذر جنوب لبنان، اذ تواصل المقاومة حالة الاستنفار التي بدأتها نهاية الاسبوع الماضي مواكبة للمناورة الكبرى التي بدأتها اسرائيل الاحد قبل ان يعلن جيش الاحتلال الاسرائيلي مؤخرا عن تجميدها بعد أحداث القدس. وتشير مصادر مواكبة للتطورات الى ان «الحذر والاستنفار ضروريان في هذه المرحلة باعتبار ان احدا لا يعرف كيف يمكن ان تتطور الامور في فلسطين المحتلة وبالتالي على المقاومة ان تكون بجهوزية قصوى سواء في لبنان او في سوريا للتصدي لاي قرار اسرائيلي بتوسيع رقعة المواجهات»، لافتة في حديث لـ «الديار» الى ان «حالة الاستنفار التي كانت قائمة لمواكبة المناورات بقيت على حالها ان لم نقل ارتفعت نسبتها لتبلغ أعلى مستوياتها».

وفي سياق الضغوط التي تواصل واشنطن بممارستها على حزب الله، أفادت وكالة «رويترز» يوم أمس أن «وزارة الخزانة الأميركية أعلنت فرض عقوبات على 7 لبنانيين على صلة بحزب الله، وهم: عزت يوسف أكار، ابراهيم علي ضاهر، عباس حسن غريب، مصطفى حبيب حرب، حسن شحاده عثمان، وحيدر محمود سبيتي، احمد محمد يزبك». ولفتت الخزانة الأميركية في بيان الى أن «حزب الله يواصل إساءة استخدام النظام المالي اللبناني في وقت عصيب، ويخزن العملة بهدف تمتين مؤسسة القرض الحسن». 

 الاعتذار للضغط 

استنفار حزب الله لمواكبة التطورات، لم يكن مماثلا على صعيد الملف الحكومي، باعتبار ان انشغالاته بالملفات الساخنة في المنطقة وآخرها الملف الفلسطيني جعلته يطفىء محركاته التي تم تشغيلها بعد زيارة وزير الخارجية الفرنسية جان ايف لودريان لاحتواء العقوبات التي لوّح به كما والاهم امكانية اعتذار رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري. وبحسب معلومات «الديار» فان الجهود التي بذلها الحزب كما رئيس المجلس النيابي نهاية الاسبوع الماضي لم تثمر خرقا على مستوى تحريك المياه الراكدة حكوميا خاصة وأنه لم يكن هناك جديدا يطرحانه، وقد تركزت المساعي على الضغط على الحريري لعدم الاعتذار والدفع باتجاه عقد لقاء يجمعه برئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل، وهو طرح يصر الحريري على رفضه. ويبدو واضحا ان تسريب مصادر الحريري الاسبوع الماضي نيته الاعتذار كان الهدف منها لفت نظر الفرنسيين وبخاصة لودريان الذي لم يكن يخطط للقاء الرئيس المكلف، كما الضغط على «الثنائي الشيعي» كي يمارس ضغوطا أكبر على عون وباسيل بالملف الحكومي.

وتؤكد مصادر قريبة من رئيس الجمهورية أن «لا جديد ملموس حكوميا»، لافتة في تصريح لـ «الديار» الى ان «هناك كلاما عن اتصالات ومراجعات، لكن لا شيء واضحا حتى الساعة، مع استبعادنا ان يكون الحديث عن نية الحريري الاعتذار جديا».

بالمقابل، تشدد مصادر «المستقبل» على ان «خيار الاعتذار لا يزال مطروحا لكنه مرتبط بجملة من الامور وبخاصة بالبدائل التي قد تكون مطروحة والخطوات التي قد تلي قرارا مماثلا». وتوضح المصادر في حديث لـ «الديار» ان «النقاش الحاصل يتركز اليوم حول ما اذا كان الاعتذار يوقف الانهيار او يفاقمه، ففي نهاية المطاف ما يهم الرئيس الحريري تحقيق المصلحة الوطنية العليا وليس مصلحته الشخصية او اي مصلحة حزبية». وتتحدث المصادر عن ان مجرد حديث الرئيس الحريري عن امكانية الاعتذار، «لاقى اعتراضا هائلا من الحلفاء والاصدقاء والمحازبين... لكن ذلك لا يعني ان الخيار سقط من التداول كما لا يعني انه حاصل غدا». وتكشف المصادر ان التطورات بعد زيارة لودريان أدت لحراك جديد على مستوى الحكومة لمحاولة تحريك المياه الراكدة، ولا شك ان اي خرق اليوم سيتم بناء على تسوية جديدة مرتبطة بعدم وجود ثلث معطل، لكن في المرحلة الراهنة لا يمكن تأكيد او نفي امكانية نجاح المحاولات الجديدة في هذا الاتجاه». جلسة طارئة الثلاثاء المقبل لدرس التوصية بالاضراب.

وفي المواقف السياسية، شدد رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي على أن «سياسة العناد والمكابرة لم تعد تجدي نفعا في معالجة الملف الحكومي بعدما دخل الوضع اللبناني في مرحلة الفوضى الاقتصادية والمالية والاجتماعية، وبات الحد من الانهيار التام هو المطلوب عبر تأليف حكومة سريعا وإطلاق عجلة المعالجات المطلوبة بالتوافق مع الهيئات الدولية المعنية وبدعم من أصدقاء لبنان وأشقائه». وقال أمام زواره في طرابلس: «هناك من يريد الاستحواذ على كل شيء في السلطة وكلما قدمت اليه تنازلا طالب بالمزيد»، معتبرا «أن الاعتذار عن التكليف لتأليف الحكومة هو اليوم بمثابة انتحار سياسي»، لافتا الى «وجوب تغيير العقلية الاستئثارية والالغائية السائدة ضمن فريق العهد للإسراع في معالجة الكثير من الملفات بالسرعة والحزم المطلوبين، ولكي ينطلق الجميع بالتكافل والتضامن في مسيرة الإنقاذ».

 العتمة تقترب 

وعلى وقع فشل المحاولات الجديدة بالدفع قدما بعملية تشكيل الحكومة، تواصل الانهيار على المستويات كافة. فاصطف اللبنانيون لليوم الثالث على التوالي في طوابير طويلة امام محطات المحروقات فيما استيقظوا على اسعار «مخيفة» للحم والدجاج، ان وجدا. فتخطى في الساعات الماضية سعر كيلو لحم البقر الـ 100 ألف ليرة فيما بلغت اسعار الدجاج مستويات قياسية.

وتحدث أمين سر النقابة اللبنانية للدواجن وليم بطرس يوم أمس عن ضغوط كبيرة يتعرض لها قطاع الدواجن منذ يوم الجمعة المنصرم جراء ارتفاع الطلب على الدجاج في السوق المحلية بحوالي 300 في المئة، عازياً ذلك الى هلع المواطنين ورغبتم بتخزين الدجاج بعد الحديث عن وقف الدعم لقطاع الدواجن. وقال في بيان «بناء على تجربة الدعم الناجحة لقطاع الدواجن، وكونه قطاع انتاجي والوحيد الذي يؤمن كامل احتياجات لبنان من البروتيين، نطالب وبالحاح الاستمرار بدعم قطاع الدواجن، خصوصاً ان قيمة الدعم السنوية لا تتعدى الـ120 مليون دولار»، مؤكداً ان هذا التدبير من شأنه توفير مادة غذائية أساسية للبنانيين ويطمئن النفونس ويعيد الاستقرار الى الاسواق».

وغرّد رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع عبر «تويتر» قائلا: «طالما أن «حزب الله» و «التيار» وحلفاءهما هم الحاكمون كل يوم سنشهد أزمة جديدة. البارحة واليوم البنزين، غدا وبعد غد المازوت، والذي بعده وما بعده المواد الغذائية... هلُمَّ جرّا حتى النصر».

ولعل الهاجس الاكبر اليوم يبقى العتمة التي تقترب اكثر فأكثر مع تعذر ايجاد الحلول للأزمات المتراكمة في قطاع الكهرباء. واجتمع وزير المالية في حكومة تصريف الأعمال غازي وزني بوزير الطاقة في حكومة تصريف الأعمال ريمون غجر ورئيس لجنة الأشغال النائب نزيه نجم ومدير مؤسسة كهرباء لبنان كمال حايك، استكمالا لاجتماع الأسبوع الماضي، وتم البحث في موضوع مشكلة الكهرباء. وبعد الاجتماع، قال النائب نجم: بحثنا في الوضع المالي للكهرباء وفتح الاعتمادات اللازمة لها. في ما يتعلق بباخرة Grade A فهي كانت قد حصلت على سلفة بقيمة 1500 مليار ليرة ، وبقي مبلغ قدره 11 مليار ليرة، وغطت ما تبقى من ثمن الباخرة مؤسسة كهرباء لبنان.أما الباخرة ـGrade B، فوزير المالية ووزير الطاقة يعملان على بلورة وإيجاد صيغة لفتح اعتماد لها. وفي انتظار الثاني والعشرين من هذا الشهر للحصول على رد حول مسألة الطعن، سيستكمل الموضوع بخصوص مبلغ الـ200 مليون دولار المتوفر. الا أننا قد نصادف مشكلة في آخر هذا الأسبوع وهي متعلقة بـ Karadeniz وباخراتهم بعد قرار القضاء اللبناني بالحجز على البواخر للبت بغرامة الـ 25 مليون دولار اذا كانت محقة أم لا. وبعد أن تم الادعاء على صاحب كارادينيز، أخذ القرار وأعلمت المؤسسة أنها ستتوقف عن تشغيل المعامل. وهذا الأمر قد يؤثر علينا ويجلب العتمة الكاملة. فعندما نخفض 400 ميغاوات عن الشبكة، ذلك يعني أننا نزلنا دون الـ 900، وهنا لا يمكن للمؤسسة أن تقوم بأي شيء». وتمنى النائب نجم على المسؤولين كافة «أن تتم مقاربة هذا الموضوع بشكل لا يؤدي الى توقف العمل في معامل البواخر. وفي الوقت نفسه، طالبنا المدير العام للكهرباء ووزير الطاقة الاستعداد للأسوأ في حال حصل ذلك. لاننا عندها سنحتاج لباخرة Gazoil فورا وسنناقش ذلك لاحقا في بداية الأسبوع المقبل».

 اضراب عام مقبل؟ 


وبمحاولة لاستيعاب غضب الشارع، شدد رئيس التيار الوطني الحر، النائب جبران باسيل على وجوب ان يقترن رفع الدعم مع اقرار البطاقة التمويلية. وقال الى انه «منذ أكثر من سنة طالبنا بترشيد الدعم تدريجاً، بقرار من الحكومة وببرنامج زمني وبقانون من مجلس النواب لتمويل بطاقة دعم المحتاجين بالدولار هذا قرار كبير يؤخذ بالمشاركة بين الحكومة ومجلس النواب بعد التشاور مع مصرف لبنان، ولا يحق لأحد قانونًا ودستوراً التفرّد به والتسبب بهلع للناس». وفي تصريح له عبر مواقع التواصل الاجتماعي، رأى باسيل أن «منع التجار والمهربين من الاستغلال ضروري وملحّ، لكن لا لرفع الدعم قبل الاعلان عن برنامج كامل وإقرار تمويله»، مشيرا الى ان «أي مبلغ بأي عملة يسدَّد للمودعين من حساباتهم هو واجب ومستحقّ؛ انه يعيد بعض الثقة، كما يخفّض سعر الدولار المنفوخ ويحرّك الاقتصاد».

وعلى وقع تفاقم الازمات، عقد رئيس الاتحاد العمالي العام الدكتور بشارة الأسمر مؤتمرا صحافيا، بعد اجتماع هيئة مكتب المجلس التنفيذي للاتحاد، دعا خلاله المجلس التنفيذي للانعقاد في جلسة طارئة يوم الثلاثاء المقبل لـ «درس التوصية بالاضراب العام وتحديد خطة التحرك لتنفيذه على مجمل الاراضي اللبنانية عبر التشاور مع الهيئات المعنية من اقتصادية واجتماعية وصناعية وتربوية وتعليمية ونقابات المهن الحرة حتى يأتي التحرك جامعا وطنيا شاملا».

  تدابير بمواجهة الاحتكار والتهريب 

ولفت يوم امس الاستنفار الامني والقضائي لمواجهة عمليات الاحتكار والتهريب. فأعلنت قيادة الجيش عن توقيف 3 لبنانيين و3 سوريين، وضبط سيارتين وصهريجاً وآلية نوع بيك أب محملة بحوالى 19500 ليتر من مادة المازوت، ومواد غذائية مدعومة، وكمية من الدخان والتنباك المعسل المُعدة للتهريب إلى الأراضي السورية. فيما استكملت  قاضية التحقيق الأولى في الشمال سمرندا نصار مسار التحقيقات في عمليات تهريب المحروقات من الشمال الى الداخل السوري بكميات تجارية كبيرة عبر خطوط تهريب عدة، منها خط وادي خالد، وخط مستجد تم الكشف عنه في مسار التحقيق الجاري منذ نحو أسبوعين، وهو يمر ببلدة بينو باتجاه عكار العتيقة ثم القموعة فالهرمل وبعدها الى سوريا.

وفي هذا السياق، أصدرت القاضية نصار 15 مذكرة توقيف وجاهية وغيابية في ستة ملفات تتقاطع فيها عمليات تهريب المحروقات على أنواعها. كما أصدرت قرارا بختم إحدى محطات الوقود في محلة العريضة بالشمع الأحمر بعد ثبوت قيام أصحابها بتعبئة صهاريج بالمحروقات التي تهرب الى الداخل السوري.

هذا وأفادت دائرة العلاقات العامة في بلدية بيروت في بيان، أن محافظ بيروت القاضي مروان عبود «أمر مصلحة المؤسسات المصنفة في بلدية بيروت بمؤازرة من المديرية العامة لأمن الدولة وفوجي الاطفاء والحرس بالكشف على محطات الوقود في مدينة بيروت للتأكد من عدم احتكارها لمادة البنزين»، محذرا من أنه «سيتم تسطير محاضر ضبط بحق المخالفين في عدم بيع مادة البنزين للمواطنين في مدينة بيروت».