تُعقد الثانية من بعد ظهر اليوم الجمعة جلسة عامّة لمجلس النوّاب في قصر الأونيسكو بعد أن دعا إليها رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، عملاً بأحكام المادة 145 من النظام الداخلي، لتلاوة رسالة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون... هذه الرسالة التي كان وجّهها عون الثلاثاء الفائت الى مجلس النوّاب عبر الرئيس برّي حول تأخير الرئيس المكلّف سعد الحريري في تشكيل الحكومة وانعكاس هذا التأخير سلباً على مختلف الأوضاع في البلاد، مطالباً المجلس بـ «اتخاذ الموقف أو الإجراء أو القرار المناسب بشأنها لمنفعة الشعب».

هذه الرسالة التي قال عنها نائب رئيس مجلس النوّاب إيلي الفرزلي أنّه «إذا حسُنت النوايا فإنّها ستُشكّل مخرجاً للأزمة»، يجد البعض الآخر أنّها «محاولة من الرئيس عون لرمي الكرة في ملعب المجلس النيابي الذي يضمّ، بطبيعة الحال، جميع الأحزاب السياسية والكتل النيابية في البلد، وإن استقال منه 8 نوّاب». فهل يُقرّر المجلس «سحب ورقة التكليف من الحريري»، على ما طالب عون من خلال ما فُهم من مضمون رسالته، رغم أنّ هذا الأمر لا يرد في صلاحيات مجلس النوّاب وهو يعني «تعديل الدستور»، أم يتوصّل المجلس الى إيجاد حلّ لمسألة «إبقاء الرئيس المكلّف ورقة التكليف في جيبه منذ 7 أشهر (تحديداً في 22/10/2020)» من خلال إصدار توصية بضرورة تسريع عملية التأليف من قبل عون والحريري، أم يكون رمي المسؤولية على مجلس النوّاب من قبل عون كأنّه لم يكن؟

مصدر سياسي وقانوني عليم أكّد بأنّ رسالة عون الى مجلس النوّاب تدخل من ضمن صلاحيات رئيس الجمهورية، وفي صلب حقّه الدستوري شكلاً سيما وأنّ الفقرة 10 من المادة 53 من الدستور اللبناني تنصّ على أنّه «يوجّه عندما تقتضي الضرورة رسائل الى مجلس النوّاب».وقد وجد عون اليوم أنّ التأخير في تشكيل الحكومة «لم تقتصر مفاعيله السلبيّة على نشوء السلطة الإجرائيّة وانتظام عمل السلطات الدستوريّة وفقاً لأحكام الدستور، بل أنّها انسحبت على الإستقرار السياسي والأمان الصحّي والإجتماعي والإقتصادي والمالي والخدماتي العام، وحالت دون المعالجة الناجعة لملفات حسّاسة في ظلّ أزمات موروثة ومتناسلة أو حالّة ومتفاقمة على أكثر من صعيد»، على ما جاء في الرسالة. كما رأى بأنّه لا يجوز «أسر التأليف الى أفق زمني غير محدّد» سيما وأنّ التأليف «هو عمل دستوري وجوبي وليس من قبيل الإستنساب والترف»، حتى وإن كان الدستور لا يُحدّد مهلة معيّنة للتشكيل، ما دفعه الى توجيه الرسالة الى مجلس النوّاب.

ومن هنا،يقول المصدر بأنّه لا يُمكن لأحد أن يعترض على توجيه رئيس الجمهورية أي رسالة لمجلس النوّاب عندما يرى أنّ الضرورة تستدعي مثل هذا الأمر كونه حقّا دستوريا له.وبطبيعة الحال، فإنّ تلاوة رسالة عون اليوم في الجلسة العامّة لمجلس النوّاب التي دعا اليها الرئيس برّي هو أمر قانوني ودستوري بهدف مناقشة مضمونها والردّ عليها من قبل الكتل النيابية التي يتألّف منها البرلمان. أمّا اعتراض البعض عليها فبسبب مضمون الرسالة السياسي،على ما أوضح المصدر، فإن كان الرئيس عون محقّاً في توصيف الواقع الذي وصلت اليه البلاد بسبب التأخير في تشكيل الحكومة وتداعياته السلبية على الوضع الداخلي على مختلف المستويات، غير أنّه أكّد على أنّه «أصبح من الثابت أنّ الرئيس المكلّف عاجز عن تأليف حكومة قادرة على الإنقاذ».. وأنّه «يأسر الشعب والحكم ويأخذهما معاً رهينة مساقة الى الهاوية متجاهلاً كلّ مهلة معقولة للتأليف». وهذا «الإتهام السياسي» سيكون محور النقاش في جلسة مجلس النوّاب اليوم كونه لا يزال يُشكّل خلافاً كبيراً بين الكتل النيابية والأحزاب السياسية.

وتوقّع المصدر نفسه أن يكون هناك ردود فعل عنيفة لا سيما من قبل نوّاب «المستقبل» وحلفائهم الذين سمّوا الحريري خلال الإستشارات النيابية المُلزمة (علماً بأنّه لم ينل هذه المرّة سوى على 65 صوتاً من أصل 120 بسبب استقالة 8 نوّاب من البرلمان).. فهؤلاء يعتبرون بأنّ مضمون رسالة عون تتهم الحريري بشكل مباشر وصريح بتعطيل تشكيل الحكومة، وتحمّله بالتالي مسؤولية ما آل إليه الوضع في البلاد، في حين أنّهم يرون أنّ العكس صحيح، من وجهة نظرهم، أي أنّ رئيس الجمهورية وفريقه السياسي يُعطّلان التشكيل عن طريق رفض التشكيلة التي تقدّم بها الرئيس المكلّف للرئيس عون، ووضع الشروط والعراقيل أمام عملية التأليف..

ويرى المصدر بأنّه من حقّ رئيس الجمهورية «المؤتمن على الدستور والسهر عليه» أن يوجّه الرسائل الى مجلس النوّاب من باب حرصه على احترام الدستور، ولكن الرئيس المكلّف لم يُخالف الدستور لكي يقوم رئيس الجمهورية باللجوء الى مجلس النوّاب لتوجيه الإتهام له. فصحيح بأنّ الحريري مكلّف منذ 7 أشهر من دون أن يؤلّف حتى الآن، غير أنّ التشكيل في لبنان معروف بأنّه يتطلّب وقتاً طويلاً بسبب الخلافات والإنقسامات الداخلية المستمرّة. وذكّر بأنّه في تاريخ الحكومات المتعاقبة على لبنان، غالباً ما استلزم التشكيل وقتاً طويلاً مثل حكومة الرئيس تمّام سلام التي تطلّبت ولادتها 11 شهراً، فيما لم يتمكّن الحريري نفسه من تأليف إحدى حكوماته السابقة إلاّ بعد نحو9 أشهر من التكليف، ولم يتمّ اتهام المتأخّرين في حينه بأي مخالفة دستورية. وهذا الكلام لا يعني أنّه بإمكان الحريري التأخّر أكثر في التشكيل، سيما وأنّ الأزمة الإقتصادية والمالية المتفاقمة تفرض نفسها على المشهد العام وتحتاج سريعاً الى حكومة إنقاذية لمعالجتها، إنّما للقول بأنّ الخلافات والإنقسامات وعدم التوافق الداخلي غالباً ما تحول دون التشكيل السريع للحكومات. وفي الوقت نفسه، يجد بأنّ ما يتمسّك به نواب «المستقبل» عن أنّ صلاحيات الرئيس المكلّف تنصّ على التأليف بمفرده، والشراكة مع رئيس الجمهورية تكمن فقط بتوقيعه على مرسوم التشكيلة الحكومية المقدّمة له من قبل الرئيس المكلّف، هو أمر خاطىء. فالدستور ينصّ على دور لرئيس الجمهورية في المشاركة في التشكيل، وعلى الرئيس المكلّف الإعتراف بهذا الأمر والإلتزام به.

ولأنّ الدستور لم يُحدّد المهل ولا سيما للتشكيل، فإنّ طلب الرئيس عون من المجلس باتخاذ الإجراء أو القرار المناسب في هذا الشأن، ما يعني «تعديل الدستور»، على ما أشار المصدر، لا يُمكن أن يتحقّق حالياً لأنّ «سحب التكليف» ليس من ضمن صلاحيات المجلس ولا يُمكن بالتالي التعديل في ظلّ الحكومة المستقيلة. فالمادة 67 من الدستور التي تتناول مسألة «تعديل الدستور» تنصّ على أنّه «يُمكن إعادة النظر في الدستور بناء على اقتراح رئيس الجمهورية، فتقدّم الحكومة مشروع القانون الى مجلس النوّاب». كذلك فإنّ المادة 77 منه تتحدّث عن أنّه يُمكن إعادة النظر بالدستور بناء على طلب مجلس النوّاب، على أن تُوافق الحكومة على الإقتراح بأكثرية الثلثين وأن تضع مشروع التعديل، وهذا لا يُمكن حصوله في المرحلة الراهنة كون الحكومة تصرّف الأعمال في الإطار الضيّق فقط. أمّا المرحلة الدستورية عملاً بالمادتين 53 و64 من الدستور فهي مستقلّة بحدّ ذاتها، ما يجعل مجلس النوّاب غير قادر على التدخّل في عملية التأليف.

من هنا، أكّد المصدر على أنّه لا يُمكن لمجلس النوّاب وضع مهلة للرئيس المكلّف للتشكيل وإلاّ فليقدّم اعتذاره، سيما وأنّ النوّاب ليس لديهم صلاحية سحب الثقة من الرئيس المكلّف الذي سمّوه بأنفسهم خلال «الإستشارات النيابية المُلزمة» التي قام بها الرئيس عون للتكليف. وعلى أساس ذلك، لا يُمكنهم في جلسة اليوم «سحب التكليف» من الحريري أو تعديل الدستور. ولهذا، فإنّ المخرج الوحيد سيكون بتلاوة رسالة عون ومناقشتها دستورياً وسياسياً من قبل طالبي الكلام، ومن ثمّ التوافق على إصدار توصية الى كلّ من رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف، أو الى أحدهما، شرط عدم وصول الخلافات والسجالات الى فضّ الجلسة من دون التوصّل الى اختتامها.. وتقضي التوصية بضرورة الإسراع في تشكيل الحكومة لإنقاذ الوضع الإقتصادي والمالي من المزيد من الإنهيار، وذلك عبر الطلب من رئيس الجمهورية توقيع مراسيم التشكيل في حال اتفق هو ورئيس الحكومة المكلّف، أو توقيعها من دون الموافقة عليها ومن ثمّ ذهاب التشكيلة الحكومية الى المجلس النيابي، وعندها إمّا تنال الثقة أم لا.

ويستبعد المصدر بالتالي، أن يصدر عن المجلس قرارا جماعيا، على ما يُطالب عون، يؤدّي الى مخرج ما للأزمة السياسية القائمة بين طرفي النزاع. علماً بأنّ الإحتكام للشعب قد يكون الحلّ الأفضل، وذلك عن طريق إجراء إنتخابات نيابية مُبكرة، أو تقصير عمر المجلس النيابي الحالي من خلال إستقالات نيابية جماعية، على غرار ما جرى خلال استقالة النوّاب الثمانية. إلاّ أنّ هذا الحلّ لن يتمّ التوافق عليه كون المجلس النيابي يُمكنه انتخاب رئيس الجمهورية المقبل في حال لم تجرِ الإنتخابات وجرى التمديد له.