يقع المجتمع اللّبنانيّ بأسره ضحية جائحتين شلّتا تحركات قطاعاته كافة، الأولى فيروس كورونا والثانية أزمة اقتصادية لم يسبق للبنان ان شهد أزمة بهذه الحدّة في تاريخه...!

الا أنّ أكثر القطاعات التي تأثّرت سلباً كان القطاع التعليمي الذّي تعددت ضحاياه وتوزّعت بين المدرسة والأهل، والضحية الأكبر كان التلامذة الذّين باتوا الحلقة الأضعف خلال عامين دراسيين غير اعتياديين تأقلم الطلاب فيهما، كما الأهل والمدارس على تقنية التعليم عن بُعد...

الا أنّ العراقيل لم تقتصر فقط على التعليم بل تخطّته الى الصفوف الأمامية الى الأزمة الإقتصادية والإنهيار المالي الّلذين يفتكان بالوطن.

الأخت جورج ماري عازار: هدفنا صناعة الإنسان!

وأمام واقع صعب كهذا، كان لا بدّ من إدارات بعض المدارس القيام بإجراءات تتأقلم فيها مع الواقع المرير، ولهذا شرحت مديرة ثانوية مار الياس - البترون لراهبات العائلة المقدّسة المارونيات الأخت جورج ماري عازار ل «الديار» آلية العمل الّتي اتبعتها المدرسة خلال هذين العامين والخطّة المتبعة للعام المقبل قائلةً: «من المعروف أننا عانينا، على مرّ الزّمن من أزمات وحروب. وكوني تسلّمت إدارة مدارس عدّة، تابعة لجمعية راهبات العائلة المقدّسة المارونيّات، شهدنا فيها أيّاماً عصيبة على مدى سنين، حاولنا معالجتها دائماً بالطرق الأنسب، وكان الهدف دوماً بناء الإنسان بكلّ طاقاته، واشارت الى ان مشاكل اليوم مرتبطة بتغيّرات عدّة يمرّ بها لبنان، فالظرف الاقتصادي الاستثنائي حطّ رحاله حتّى في مدارسنا، ومن بينها مدرستنا في البترون».

اضافت : «هذا الظرف الصعب جعلنا نبحث جاهدين عن حلول تمكّننا من متابعة رسالة التعليم السامية التي كانت هدفنا منذ التأسيس، من هنا، أعلنّا عن مبادرة إنسانية تقتضي بخفض قسط صفّ الروضة الأولى، في العام الدراسي المقبل 2021-2022، الى النصف، تحسّساً مع أوضاع الأهالي الذين لطالما كانوا عاموداً أساسيّاً لمدرستنا، مؤمنين بأهميّة المشاركة بغية بناء مستقبل مزدهر لتلامذتنا، فكريّاً وعلميّاً، فمشروعنا الدائم هو الأنسنة المتضامنة».

وعن الإلتزام بقرار وزير التربية إعادة فتح أبواب المدارس في ظلّ تخوّف المجتمع من فتح أبواب مدرستنا وعودة التلامذة الى التعلّم الحضوريّ، قالت الاخت عازار: «أمّنّا كافة الإجراءات الوقائية، مع تلقّي أساتذتنا اللقاحات، من هنا كانت العودة آمنة لصفوف الروضة والشهادات الرّسمية بدايةً، تلتها عودة التلامذة في كافة الصفوف في جوّ من الفرح والنشاطات التثقيفية، أمّا من الناحية التعلميّة، فآلية العمل تقتضي إجراء تقييم للدروس المشروحة، في فترة التعلّم عن بعد، عبر “DATARAYS” وهو التطبيق الموحّد لجمعية راهبات العائلة المقدّسة في كلّ لبنان، مع متابعة ما تبقّى من المناهج الدراسيّة بمهنيّة وحرفيّة عالية حفاظاً على المستوى التعليميّ الذي اعتدنا عليه».

اضافت: «وهكذا تتبدّل الظروف ونحاول دائماً التماشي معها ومراعاتها، والأهمّ هو خلق فرص اانجاة من أجل الاستمراريّة، الا أنّ الأساس هو بناء مستقبل باهر، يصنعه التلميذ الذي اكتسب التربية والمهارات التعلميّة الصحيحة، فمن واجبنا ومسؤوليتنا توجيه التلميذ نحو الطريق الصحيح»!

لجان الأهل يبحثون عن مصلحة أولادهم!

أمّا في الجهة المقابلة، يشرح رئيس لجنة الأهل سليم عقل أنّ:» الأزمة الحالية لا شكّ بأنها وضعتنا كأهل في مأزق الانتقاء والخيار بين ارسال أولادنا الى المدارس أو الإبقاء على متابعة تعليمهم في المنزل وهنا بطبيعة الحال تنقسم الآراء لأنّ لكلّ منّا وجهة نظره الخّاصة، أننا بلا شك أمام واقع صعب، إذ نُحمّل المسؤولية الكبرى لوزارة التربية الّتي وعدت بتأمين اللقاحات لكافة الجسم التعليمي والإداريين في المدارس بغية التمهيد للعودة الآمنة، الأمر الّذي لم يحصل حتى اليوم، فنسبة كبيرة من الأساتذة لم تتلقّ اللّقاح. ونسأل لماذا لم يُطرح موضوع اللّقاحات في الربع الأوّل من العام الدراسي لكان بإمكاننا إنقاذ جزء كبير منه دفع ثمنه أولادنا»!

اضاف عقل:» لنكن واقعيين ومنطقيين، وصلنا الى ما نحن عليه فما الحلّ، بحثنا كأهل عن مصلحة أولادنا ورأينا بأنّ العودة الى صفوف المدرسة هي الأفضل بين الحلول السيئة المطروحة بحيث أنّ التلميذ بحاجة ماسّة لإعادة وضعه ضمن أطر النظام والمدرسة هي المكان الأنسب لهذا الهدف. وبما أننا التمسنا جدّية المدارس في التعاطي مع الإلتزام بمعايير السلامة العامة والتباعد الإجتماعي من ناحية مراقبة حرارة التلاميذ والأهالي الّذين يرافقونهم من وإلى المدرسة مروراً بالمسافات المتّبعة بين التلميذ والآخر وصولاً الى التعقيم الدائم ومراقبة لبس الكمامة، فهذه كُلّها عناصر تُبرّد قلب الأهل وتُخّولهم الإطمئنان على أولادهم، كما ويجب أن لا ننسى دور الأهل الكبير في نشر الوعي لدى أولادهم وإرشادهم الصحيح».

أمّا بالنسبة للحالة الإقتصادية الهشّة التّي يمرّ بها لبنان وارتفاع صرخات الأهل بالنسبة للأقساط المدرسية يشرح عقل: «لنبدأ هنا بتصويب السهام نحو مسارها الصحيح، عملياً، على كُلّ لجنة أهل متابعة والتوقيع على موازنة المدرسة، وبحسب متابعتنا، نجد أنّ المدارس تعاني من عجز كبير بحيث أنّها لا تهتمّ فقط بتأمين رواتب الأساتذة بل تتكبّد مصاريف جمّة على كافة الأصعد، فنحن نرى أنّ الأقساط المدرسية منطقية وأدعو بعض الأهالي الى التّحلّي بالوعي تجاه هذا الموضوع وعدم التشتت وراء التجييش الإعلامي الّذي يدحض بنسبة كبيرة حقيقة الوقائع وأتمنى على الجميع تسديد الأقساط بأكملها أو نقل أولادهم الى مدارس مجانية إن كانوا عاجزين، فالمدارس الخاصّة لا تتردّد في تقديم الخصومات مراعاة لأوضاع الأهالي من ناحية ومن ناحية أخرى لحثّ الأهالي على تسجيل أولادهم لأنّ التلميذ بحاجة ماسّة للتربية المدرسية التي تُكمل دور الأهل».

وفي نهاية حديثه وجّه «عقل» رسالة الى المدارس والأهل حيث شكر المدارس على مبادراتها الإنسانية، كما ودعا الأهل الى التّحلّي بالوعي والصبر، فبالشراكة نُخفّف من وطأ الأزمات.»

أمام الواقع الّذي تقدّم حقيقة واحدة، التلاميذ ضحية أحوال اجتماعية صعبة تعبث بمستقبلهم ومصيرهم. ويبقى السؤال: هل ستُقرع أبواب المدارس من جديد؟ وهل ستعلو ضحكات التلاميذ في الملاعب كما اعتدنا أن نعيش؟