أيّ تأخير يجعلها «تدير الانتخابات فقط»


يقوم رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي بمحاولة صعبة، لكيلا نقول مستحيلة في التقريب في وجهات النظر بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والرئيس المكلّف سعد الحريري بهدف التوصّل الى تشكيل حكومة في غضون أسبوعين، كمهلة قصوى وحاسمة. وتكمن الصعوبة في بقاء كلّ من الفريقين على موقفه، وقد ظهر ذلك جليّاً خلال الجلسة العامّة لمجلس النوّاب التي عُقدت يوم السبت الماضي لمناقشة «رسالة عون» والتي ألقى خلالها الحريري كلمة عالية السقف أكّدت على مواقفه في ما يتعلّق بالتشكيل، كما رئيس «التيّار الوطني الحرّ» النائب جبران باسيل الذي وإن تحدّث بأسلوب هادىء توضيحي، إلا أنّه أعاد التأكيد على إمكانية الذهاب الى عدم مشاركته، كأكبر كتلة مسيحية، في الحكومة المنتظرة في حال لم ينل حقّه فيها.

وتقول مصادر سياسية مطّلعة ان برّي لم يمضِ في مساعي التسوية أو حلحلة العقد التي تحول حتى الآن دون ولادة الحكومة لكي يفشل، بل يريد الوصول بالبلاد قبل منتصف حزيران المقبل الى برّ الأمان، عن طريق ولادة الحكومة الموعودة خلال الأسبوعين المقبلين، سيما أنّ حركته تتناغم وتتمشى مع موقف البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي. فالبطريرك الراعي يقوم اليوم بتفعيل دوره في تسهيل تشكيل الحكومة ويقف على مسافة واحدة من عون والحريري كونهما المسؤولَين عن التأليف، كما عن تعطيله، على غرار ما فعل برّي خلال الجلسة العامة للمجلس السبت الفائت، إذ انّه لم يقف لا في صفّ عون ولا في صفّ الحريري، رغم كلّ التأويلات التي واكبتها، ولم يخرج منها الحريري منتصراً بفعل وقوف برّي الى جانبه، لأنّ الجميع يعلم بأنّ مسألة «سحب ورقة التكليف» من الرئيس المكلّف لا تدخل من ضمن صلاحيات مجلس النوّاب. ولهذا أعاد برّي التأكيد على موقف المجلس بتجديد الثقة بتكليف الحريري، كونه الموقف الدستوري الصحيح ولأنّ المجلس النيابي نفسه هو الذي سمّاه للتكليف خلال الإستشارات النيابية المُلزمة، وإن بـ 65 صوتاً فقط من أصل 120.

ولأنّ «تبديل» الحريري لا يُمكن أن يحصل حالياً، وإن كان لا يزال يضع «ورقة التكليف» في جيبه منذ أكثر من 7 أشهر، إلا في حال اعتذر من تلقاء نفسه، وهو لن يفعل، بحسب ما تؤكّد المعلومات، يمضي برّي في مبادرته بهدف التوصّل الى ولادة الحكومة برضى جميع الأفرقاء المعنيين، ويأمل أن ينجح في تحرّكه هذا بتغيير مواقف كلّ من عون والحريري والكتل النيابية بتسهيل تأليف الحكومة.

ولكن، هل إذا تشكّلت الحكومة خلال الفترة التي وضعها برّي لمبادرته، ستكون «حكومة مهمّة» إنقاذية فعلاً، تعمل على تحقيق الإصلاحات الهيكلية الشاملة، على ما نصّت المبادرة الفرنسية، وعلى ما يودّ الشعب اللبناني والمجتمع الدولي؟ تُجيب المصادر بأنّه يُفترض أن تكون الحكومة المنتظرة حكومة تحقيق الإصلاحات المطلوبة، لا سيما إذا ما جرى تأليفها سريعاً من دون تخطّي مهلة الأسبوعين، أو هدر المزيد من عمر العهد سدى. أمّا في حال لم يتنازل أي من الطرفين المتنازعين ليس للآخر، بل لمصلحة الوطن، وبقي على موقفه رغم كلّ «الإقتراحات- التسوية» التي يقدّمها برّي مدعوماً من البطريرك الراعي والأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله، فإنّ التشكيل سوف يؤجّل لأشهر أخرى بعد، ما يجعل مسألة تحقيق الإصلاحات أمراً شبه مستحيل.

من هنا، تجد المصادر أنّ المرحلة الحالية مناسبة جدّاً لتشكيل الحكومة الجديدة، إذ سوف تتمكّن هذه الأخيرة من البدء سريعاً بإنجاز بعض المشاريع الإصلاحية الملحّة التي تعيد ثقة الشعب والمجتمع الدولي بالسلطة، كونها ستستمر حتى نهاية العهد والذي يتبقّى منه نحو سنة وأربعة أشهر. وهذه الفترة تُعتبر كافية لتنفيذ بعض الإنجازات التي من شأنها تنشيط العجلة الإقتصادية في البلاد، وإعادة الحياة للبلد المنهار على مختلف الصعد. وهذا ما يجب أن يُشجّع الفريقين المختلفين على «استلحاق» نفسيهما والمضي في مبادرة برّي لإنجاحها والتوافق على ولادة الحكومة في أقلّ من أسبوعين.

أمّا في حال تعثّر المبادرة مرّة جديدة بفضل تعنّت المسؤولين المعنيين واصطدامها بعدم تخلّيهم عن مطالبهم، على ما شدّدت المصادر عينها، فإنّ أي حكومة ستتشكّل بعد حزيران المقبل أو خلال أشهر الصيف أو ما بعده، لا يُمكنها أن تكون حكومة الإنقاذ وتحقيق الإصلاحات... فالفترة المتبقيّة من عمر هذه الأخيرة لن تكفيها لإدارة الإنتخابات النيابية المقبلة التي يُفترض أن تجري في المنتصف الأول من أيّار (بحدود 8 أيّار) من العام المقبل. ويُفترض أن تكون بالتالي «حكومة الإنتخابات» أو حكومة إدارة الإنتخابات»، وعليه، فلن يسمح لها الوقت بإنقاذ البلاد أو الإنتاج على أي صعيد، وقد لا يتضمّن بيانها الوزاري أي خطّة إقتصادية وإصلاحية، بل بنداً واحداً يقضي بمواكبة إجراء الإنتخابات في موعدها من دون أي تأخير أو تأجيل.

وفي ما يتعلّق بمغادرة الحريري الى أبو ظبي، في ظلّ الحديث عن تفعيل مبادرة برّي، وسعي بعض القادة الروحيين لإزالة العوائق أمام التشكيل، تقول المصادر ذاتها أنّها لا تعني «هروباً» من المسؤولية، أو عدم التجاوب مع مبادرة برّي، أو اقتراح السيّد حسن نصرالله الأخير بضرورة عقد خلوة بين عون والحريري لا يخرجان منها إلا للإعلان عن تأليف الحكومة الجديدة. ولكن هذه الزيارة كانت مقرّرة مسبقاً وأنّ عودة الحريري قريبة، وبالإمكان التواصل معه عن طريق ممثّليه، على ما يحصل عادة، علماً بأنّه قد يُفاجىء الجميع بعودته مباشرة الى قصر بعبدا وتقديم تشكيلة معدّلة للرئيس عون، على ما ذكرت مصادره.

غير أنّ المعلومات تفيد بأنّه لا يبدو في الأفق حتى الآن أنّ لقاء عون والحريري سوف يحصل خلال أيّام، أو سيتمّ عقد خلوة بين الرجلين في هذا الوقت بالذات الذي لا يزال فيه كلّ منهما مصرّاً على مواقفه نفسها، وعلى تفسير المواد الدستورية على هواه، وإن وافقا على بعض الأمور البسيطة.. علماً بأنّ برّي كان قد أصرّ في التوصية النهائية للمجلس على مبدأ «المشاركة بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف»، في إشارة لتفسير الدستور الذي طُلب من المجلس النيابي تفسيره في وقت سابق، لا سيما في ما يتعلّق بالمادتين 53 و64 من الدستور المتعلّقتين بصلاحيات عون والحريري في تأليف الحكومة. وتقول المصادر انّ هاتين المادتين مفسّرتان أصلاً ولا تحتاجان الى الإجتهاد والتأويل، وقد أوضح برّي في نهاية الجلسة أنّ «ربط أي موقف يتناول التكليف وحدوده يتطلّب تعديلاً دستورياً لسنا في صدده»، ما يعني أنّه وضع نقطة عالسطر في ما يتعلّق بالتفسير الدستوري للمادتين المذكورتين ولا مجال للعودة الى الخلاف حولهما مجدّداً.

ولهذا لا بدّ من انتظار بضعة أيّام بعد لمعرفة ما ستؤول إليه مساعي برّي في إطار التقريب في وجهات النظر بين عون والحريري، على ما ختمت المصادر، ومن ثمّ يُمكن الحديث عن لقاء مصارحة، أو حوار أو حتى عن «خلوة» في حال اقتنع الطرفان بضرورة حصولها لانطلاق الدخان الأبيض لولادة الحكومة في غضون أسبوعين.