ماذا كان يفترض برئيس الجمهورية أن يفعل بعدما قال للرعايا «طبعاً الى جهنم» ؟ غريب كيف يرتضي، وهو الجنرال الجنرال، أن يبقى في مكانه ويقود المسيرة، المسيرة المظفّرة، الى جهنم...

هنا تنتهي صلاحياته الدستورية. رسالة لا تقدم، ولا تؤخر، الى المجلس النيابي. اذ أظهرت مدى العجز في ادارة الأزمة، أظهرت أيضاً أن وثيقة الطائف التي ثار عليها عام 1989 نزعت حتى شاربي رئيس الدولة الماروني.

بالرغم من ذلك، عقد سلسلة من التسويات للوصول منهكا الى قصر بعبدا، ليجد نفسه رهينة بين حصار الداخل وحصار الخارج. على باب القصر انتهى الجنرال الذي لا يمكن أن ننسى موقفه التاريخي ابان حرب 2006.

الرسالة البائسة تلقفها الرئيس المكلف بذراعيه، ظناً منه أن الرد عليها يفضي الى تعويمه، وهو التائه بين أزقة الشرق والغرب. ثمة من قال له، وبعيداً عن أذني فؤاد السنيورة، وعن العيون الصفراء، ان خشبة الخلاص على ضفاف بردى. اذا تمكن من تشكيل الحكومة، لا مناص من زيارة دمشق التي اذا ما فتحت الأبواب أمامه، قد يفاجأ بالعلم السعودي وقد عاد يرفرف على باب السفارة في «أبو رمانة».

لا داعي للتذرع بالخوف من الفراغ ان في القصر الجمهوري (الفراغ الدستوري) أو في بيت الوسط (الفراغ في السلطة التنفيذية)، ما دام الخراب اشد هولاً بكثير من الفراغ...

في اعتقادنا أن قائد الجيش العماد جوزيف عون حين التقى قائد الجيوش الفرنسية الجنرال فرنسوا لوكوانتر قال له هذا الأخير، بعدما اطلّع على الوضع الكارثي للمؤسسة العسكرية، «أنت رجل لا غبار عليك، وهذه هي نظرة  اللبنانيين اليك. لو كنت مكانك لما ترددت لحظة في القيام بانقلاب عسكري، ووضع نجوم الفساد وراء القضبان». لم يقل. .. تعليقهم على حبل المشنقة.

قد يكون ايمانويل ماكرون من الرأي ذاته بعدما لاحظ أن اعادة احياء المنظومة السياسية أقرب ما تكون الى اعادة احياء الديناصورات. لا ندري ما يمكن أن يكون قد قال  العماد عون، ولكن لو عرف الرئيس الفرنسي، ومعه رئيس الأركان، أن التركيبة التي اقامها شيوخ القبائل، وحيث التداخل العضوي بين الطائفي والسياسي والذي كرّس أقصى حالات الزبائنية  في بنية النظام، تعجز حتى آلهة الشر على الاتيان بها.

هكذا البانوراما اللبنانية الآن. ذاهبون الى الموت لنقص في الأدوية، ذاهبون الى العتمة لنقص في المازوت، ذاهبون الى الطنابر لنقص في البنزين، ذاهبون الى الأبوكاليبس لنقص في رجال الدولة. آه... أيتها السيدة جهنم !!

هذا الذي يجعلهم ينشطون للتوصل الى صيغة حكومية تنقذهم من الناس الذين سيرشقون قصورهم، ورؤوسهم، بالحجارة. ولكن أي وزراء ؟ هل يسقطون من المريخ أم من سراويل أركان الطبقة السياسية، حتى لو كانوا بعبقرية ألبرت اينشتاين، وبرؤيوية لودفيغ ايرهارد.

في لبنان، اعتدنا على الحكومات العجيبة، لا على الحكومات العجائبية. كيف يمكن لحكومة أن تكون عجائبية اذا كانت برئاسة رجل هو من أركان «الحالة» التي أنتجت كل ذلك الخواء، واذا ما كانت تدار بالـ «ريموت كونترول» ؟

الرئيس المكلف، الخائف من الأشباح في جدران «بيت الوسط»، والذي لا يعرف أين يضع قدميه، يخشى من تداعيات الأخذ بشروط صندوق النقد الدولي حول الاصلاح المالي والاقتصادي. يعني دعوة الهياكل العظمية، وقد تحوّلنا، فعلاً، الى هياكل عظمية، الى شد الأحزمة. كيف وكيف وكيف تشدّ البطون الخاوية الأحزمة ؟؟

أي نيرون يحكم لبنان ؟ حقاً، لا ندري. وليد جنبلاط تحدث عن الأيدي الخفية التي تحول دون تشكيل الحكومة. حتى الرجل الذي طالما قيل أنه يقرأ الاحتمالات بعيني زرقاء اليمامة، يُقرّ الآن بوجود قوى خفية تدفع بالبلاد أكثر فأكثر نحو الهاوية. من هي هذه القوى، وما الغاية من ذلك، وأي دور لميشال عون ولسعد الحريري في هذه الحال ؟

سبق وسألنا : هل من مكان لتماثيل الشمع في. .. متحف الشمع ؟!