قد نعلم ما في رأس رئيس الجمهورية، أن تعود ادارة جو بايدن الى اتفاق فيينا، مع ما لذلك من تداعيات مثيرة على العلاقات، والمعادلات الأقليمية، والتي لا بد أن تلامس أو أن تخترق الحالة اللبنانية.

في هذه الحال، من الطبيعي أن يفكر، ما دام قد بات جزءأ من البنية القبلية للدولة، بانتقال العرش الى ولي العهد كضحية كبرى لعقوبات دونالد ترامب. اذا كان هذا الكلام دقيقاً، وهو دقيق فعلاً، ألم يلاحظ الرئيس ميشال عون أن المعلق على الكرسي الرئاسي في هذه الجمهورية التي أقرب ما تكون الى برج بابل، كالمعلق على الخشبة؟ هنا طريق الجلجلة لا يقود الى القيامة!

العين على موقف حزب الله الذي لم ينس الدور التاريخي للجنرال ابان حرب عام 2006، وهو الدور الذي حال دون تنفيذ السيناريو الجهنمي الذي أعده زبانية جورج دبليو بوش بالتواطؤ مع بعض القوى اللبنانية.

هذا ما جعل الحزب يخوض معركة الجنرال الذي ما ان حط رحاله في قصر بعبدا ليقود مسيرة «الاصلاح والتغيير» حتى فوجئ بأنه في الاقامة الجبرية (لاحول ولا قوة...)، بالرغم من أنه تعمّد أن تكون زيارته الأولى الى الرياض لا الى باريس، ولا الى دمشق أو طهران اللتين لم يتجرأ على أن يطأ أرضهما حتى الآن.

أخلاقياً حزب الله قام بما ينبغي أن يقوم به. ولكن هل ينسحب الموقف اياه على جبران باسيل الذي دفع، أيضاً، ثمن مواقفه، فكان أن ديفيد شينكر وضع اسمه على لائحة العقوبات باعتبار أن رئاسة الجمهورية لن تكون له ولا لسليمان فرنجية (العقوبات على الوزير فنيانوس)، وانما لميشال معوض أو لسمير جعجع الذي ما زال يصر على منازلة التيار الوطني الحر في صناديق الاقتراع، كما لو أن رئيس الجمهورية يطبخ في ساحة النجمة لا في مطابخ ماكدونالد وغيرها من المطابخ العربية.

لكننا لا نعلم ما في رأس الرئيس المكلف الذي اذا وقف في مهب الرياح، يقف في مهب الحرائق أيضاً. لا يمكن أن نصدق أنه تحوّل، بين ليلة وضحاها، من رجل التسويات (كضرورة لبنانية) الى رجل المواقف. شيء ما في رأس الرجل الذي كان يفترض فيه، اذا كان رجل دولة فعلاً، أن يعيد ورقة التكليف ألى أصحابها ما دامت الأبواب موصدة في وجهه.

هل هو شبح شقيقه بهاء الحريري الذي ينتظر لحظة الانقضاض عليه، أم هو شبح أي جهة أخرى يحاول عبثاً استرضاءها، ناهيك بأنياب صندوق النقد الدولي الذي قد لا يُبقي شيئاً من سعد الحريري؟

حتى قبل أن يعرف ما ردة فعل قصر بعبدا على مبادرة الرئيس نبيه بري، جاء الهجوم الصاعق من «تيار المستقبل» ما أثار أعصاب رئيس الجمهورية ليعود التراشق الببغائي، وليظهر جليّاً أن لا عون يريد الحريري (وله أسبابه الخفية) ولا الحريري يريد عون (وله أسبابه الخفية).

لا بأس، في نظر الاثنين، أن يذهب لبنان، وأن يذهب اللبنانيون، الى الجحيم. ها أننا على مقاعد الدرجة الأولى في الجحيم...

ليس صحيحاً أن الصراع ماروني ـ سني. لا هذا يمثل الموارنة، ولا ذاك يمثل السنّة. كلاهما سقط من ذاكرة اللبنانيين. الطبقة السياسية كلها وقد تقطّعت بها السبل آلت الى السقوط. هنا المأزق الوجودي الذي لا مجال لتجاوزه الا بدفع خارجي.

لا نتصور أن لبنان مُدرج، في هذه المرحلة على الأقل، في اجندة الآخرين. كلام كثير في الشقوق حول يأس ورثة القرن التاسع عشر من الظاهرة اللبنانية التي فقدت حتى بريقها كما العجوز الشمطاء.

لا حكومة الآن. تالياً، لا رئيس للجمهورية بعد الآن. حديث عن سيناريو أعدّ من قبل قوى دولية، واقليمية، من أجل ارساء صيغة جديدة للدولة اللبنانية. كيف؟ اياكم والقول بنقل الرئاسة الى المسلمين لأنهم لا يحتاجون الى أكثر من عود ثقاب لكي ينبشوا قبور بعضهم البعض.

حين أخرج فرنسيس فورد كوبولا فيلم (Apocalypse now القيامة الآن) كان يود وضع عنوان آخر له (ثلاجة الجحيم). لكن مارلون براندو أقنعه بالعنوان الحالي للفيلم. لا نتصور أن ثمة عنواناً آخر يليق بتلك التراجيديا اللبنانية حين يكون أولياء أمرنا على شاكلة حمّالة الحطب، وحين نكون نحن على شاكلة... الحطب !