انه منطق الأشياء في دولة كانت تدعى (تجاوزاً) الدولة اللبنانية. اذا لم يكن سعد الحريري كزعيم طائفة (وكبطل معركة القادسية ومعركة حطين) رئيساً للحكومة، نسي الرعايا، وقد بتنا جميعاً تماثيل خشبية، طوابير الذلّ، وتناسوا أننا على أرصفة الجحيم، وهبّوا الى قطع الطرق، واشعال الاطارات. وجوده خارج السلطة يعني خروج الطائفة، بقضها وقضيضها، من الزمان والمكان...

هنا، على كل حال، حال سائر الطوائف. من كانوا وراء المصائب التي حلت بنا هم أساقفة الخلاص. هذا ما حدث في التيتانيك، ولكن على وقع موسيقى جيمس هورنر لا على وقع الحجارة، والحرائق، وصناديق القمامة.

سعد الحريري، كشخص، يليق به الود. دمث، وبعيد كلياً عن المفهوم الكلاسيكي (المفهوم الغوغائي) للطائفية. هوايته الذهبية طبخ البابا غنوج قبل أن تفرض عليه الهواية الأخرى. طبخ الحكومات التي لا تصلح حتى لادارة مزرعة للضفادع.

ما هو الرصيد الشخصي للرجل سوى أنه ابن رفيق الحريري الذي أتي به  في ظروف اقليمية ودولية معينة، حتى ما انقلبت تلك الظروف رأساً على عقب، انتهى على ذلك النحو التراجيدي. لكنه كان الشخصية الباهرة التي مثلما تتقن اللعبة الداخلية تتقن اللعبة الخارجية، الى أن وقع بين يدي من لا يدركون قراءة الواقع، وما وراء الواقع، ان في قاعات البريستول أو في أروقة الاليزيه.

لا شيء في رصيد الشيخ سعد. وريث ثروة تبددت في جيوب نافخي القرب، ووريث ثروة سياسية أكثر تعقيداً بكثير من أن يتولى ادارتها، وهو الذي هبط من المدخنة، وان كان هناك من يعتقد أن الفلسفة المالية للأب هي التي أودت بنا الى الهاوية. ربما ما بعد الهاوية.

من هو البديل عن رئيس تيار المستقبل ؟ نجيب ميقاتي بكل مواصفات الظل، أم فؤاد السنيورة، بكل مواصفات الحانوتي الصغير «Le petit boutiquier»؟

يبقى تمام سلام الذي رفض كل المظاهر الأمبراطورية «لأنني للناس ولقضايا الناس.» هذا الرجل الذي تم زجه في ذلك الثلاثي المبرمج لا مكان له في الأجندة الطائفية. ابحثوا عن. .. قطاع الطرق !!

بهاء الحريري عرف كيف يسقط من الخطوة الأولى. الذين دفعوا به الى الضوء، محمولاً على «صفقة القرن»، أعادوه الى الرف، أو الى الثلاجة. شعارات فضفاضة، بل شعارات فولكلورية، وفوق طاقته، كما فوق طاقة فرقة حسب الله التي عملت على تسويقه، وكما قلنا المرة تلو المرة، من ثقب الباب.

لم يظهر أمام الناس ليقول هذا أنا، وهذا هو مشروعي للانقاذ بعدما وعد وحنث بوعده، ليكتفي بتوزيع كراتين الأرز والسكر والسردين على فقراء القوم (يا قوم. ..) !

مضحك جداً نهاد المشنوق حين حاول أن يطعن سعد الحريري (ولي نعمته) بالدبابيس في الظهر، بالاستجابة لايعاز جهة ما قد تكون معروفة للتلفظ باسم نواف سلام أثناء الاستشارات النيابية.

اطّلعنا على مؤلفات نواف سلام، وعلى بعض جوانب شخصيته في الحقل الديبلوماسي، كما في الحقل الأكاديمي والسياسي. لا شك أنه دماغ مميز، بحمولة ثقافية مترامية وعميقة في آن، لكننا لم نلاحظ، خلال مقابلته التلفزيونية الأخيرة، أي رؤية متكاملة للدخول في الحل القريب المدى أو في الحل البعيد المدى.

ربما كان دوره لا يتعدى، في حال تكليفه تشكيل الحكومة، ادارة طروحات صندوق النقد الدولي، والصناديق الأخرى. حكومة الصناديق في... جمهورية الصناديق !

ترديد اسم نواف سلام في باريس، وصولاً الى بعض المحافل القريبة من السفارة الفرنسية، وفي سياق المساعي الى اذابة جبل الجليد، وهو جبل النار، بين قصر بعبدا وبيت الوسط، تشير بأن القاضي في محكمة العدل الدولية (هل ثمة من عدالة دولية؟) الأفضل ليكون رجل صندوق النقد الدولي، بعدما طرح نفسه، مواربة، للرئاسة الثالثة. لم يقل كلاماً سلبياً في سلاح «حزب الله»، وقال: لست أميركياً.

اذا لم يكن نواف سلام أميركياً، هل يكفي أن يكون... فرنسياً ؟!