في نظام يعاني من انهيار على جميع المستويات الاقتصادية والسياسية والأخلاقية، وفي بلد اعتاد سياسة المال ومفهوم «الواسطة»، التي تسللت إلى أروقة مؤسساته وعششت في عقول أفراده كالمرض الخبيث، ملوثة فكرهم وضاربة عرض الحائط القيم والمفاهيم، يبدو أن العدوى انتقلت إلى أصحاب محطات الوقود أيضا، حيث كل مين «إيدو إلو» وسط غياب تام لأي جهاز رقابي يضبط الوضع.

هي فوضى أشبه بالعصفورية، عصفوريه برمجها أبطالها، أصحاب محطات الوقود، الذين يغنون على ليلاهم، ليقع المواطن ضحية مزاجهم وما يرونه مناسبا ويتلاءم مع طمعهم بتحقيق المزيد من الأرباح. حيث أصبحت «التعباية» أو عدمها نسبية، تخضع لمعايير أصحاب المحطات، والتي تبدأ من شكل السيارة ونوعها وصولا إلى مدى كرم الزبون واستعداده لدفع إكرامية للحصول على حقه في شراء المحروقات، و»تفويل» سيارته! فكلما كانت الاكرامية أكبر كلما سمح له بضخ كميات أكثر والعكس صحيح ليطبق سقف الـ «20 ألف ليرة فقط» على ناس وناس!

وفي هذا الاطار سلسلة من الشكاوى يتقدم بها مواطنون لصحيفة «الديار»، حيث شارك زياد تجربته على إحدى محطات الوقود بالقول «انتظرنا زوجتي وأنا دورنا قرابة النصف ساعة في طابور السيارات أمام المحطة، لنتفاجأ عند وصولنا إلى الآلة بـ»جيب» ضخم «شكّ» على المحطة ولم ينتظر دوره غير آبه بصف السيارات الذي كان بالانتظار، ليقوم الموظفون بتوسيع المجال أمامه مع النغمة الشهيرة «أهلا بالريس» ويقوم بتفويل سيارته بتجاهل تام للمواطنين، وعندما حان دورنا طلبنا منه أن «يفوّل» السيارة ليفاجأنا بأنّ الحد الأقصى المسموح به هو 20 ألف ليرة!».

أمّا زين فله معاناة أخرى مع أصحاب محطات الوقود يرويها بالقول «في إحدى الليالي وأثناء توجهي إلى جونيه للقاء أصدقائي لم أجد أي محطة وقود فاتحة وبعد أن دققت النظر في العتمة المحيطة بإحدى المحطات التي كانت قد اطفأت انارتها ووضعت الشرطان الحمر كإشارة على إقفالها، تفاجأت بموظف يقوم بتعبئة البنزين في الخفي لسيارة «بورش»، فاقتربت منه مسلطا الضوء العالي ليهلع الموظف ويركض إليّ مطالبا بإطفاء النور، فاقتربت وطلبت منه تعبئة البنزين ليجاوبني بالرفض تحججا بنفاد المادة، وبعد أن عرضت عليه دفع 10 آلاف ليرة، رفع الشريط الأحمر وسمح لي بالاقتراب والتعبئة شرط إبقاء الانارة مطفئة وبسقف لا يتجاوز الـ20 ألف ليرة! إذا دفعنا 10 آلاف مقابل بنزين بقيمة 20 ألف ليرة إنها مهزلة»، يختم زين.

بدوره شارك المحامي علي عباس تجربته مع إحدى المحطات في منشور على صفحته على فايسبوك وقال «كنت في محطة الوردية الملاصقة لقصر العدل حيث يعبي صاحب المحطة البنزين لمن يعجبه، وقفت خلف السيارة التي تعبي بانتظار دوري وعندما حان دوري اقتربت فرفضوا التعبئة، ليخرج المسؤول «معنتر» ويقول لي: لا أعرفك لأبيعك البنزين، فقلت له أنني محام وأعبي كل يوم من محطتكم كي أصل الى قصر العدل ومقطوع من البنزين وما تقومون به مخالف للقانون حيث لا يمكنكم التمييز بين الناس ليرد علي: «روح تشكى ما فارقة معي حدا وصورني إذا بدك كمان ...». فاكتفى عباس بتصويره واضعا ما حصل برسم الوزارة والقضاء.

إذا هي فوضى، في بلد «صار بدنا واسطة في حتى لنعبي بنزين!» وسط غياب تام للدولة والأجهزة الرقابية.