من خارج السياق العام لمحاولات الخروج من المأزق الحكومي، فتح رئيس الجمهورية ميشال عون النار على رئيس المجلس النيابي نبيه بري دون أن يسمّيه في محاولة لقطع الطريق عن كل مساعي بري الحكومية، وذلك بعد أن اصطدمت المبادرة برفض رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل لها، رغم البيانات الصادرة عن التيار، والتي تؤكد دعم مبادرة بري إلى أقصى الحدود.

فاجأت رئاسة الجمهورية الجميع بالبيان الناري الصادر عنها الثلاثاء، الأمر الذي اعتُبر على أنه تصعيد خطير بوجه مساعي الحلول، وهو ما يبيّن، بحسب مصادر سياسية مواكبة، أن عون لا يريد حكومة، وأنه بكل تأكيد لا يريد للحل أن يُولد على يد رئيس المجلس النيابي، مشيرة الى أن تعاطي العهد مع الأمور يعكس الرغبة الجامحة لدى التيار بتحقيق انتصارات سياسية حتى ولو كانت على أنقاض البلد.

لم يتأخر رد رئيس المجلس كثيراً، رغم ظن البعض أنه لن يردّ على البيان، إذ أصدر بري أمس بياناً وضع فيه النقاط على الحروف، وقالها صراحة لرئيس الجمهورية: «انتم لا تريدون سعد الحريري رئيساً للحكومة، وهذا ليس من حقّكم وقرار تكليفه ليس منكم، وأن المجلس النيابي قال كلمته مدوية جواب رسالتكم إليه».

وتُشير المصادر إلى أن صبر بري نفد من «تصرفات العهد الصبيانية»، الأمر الذي يجعله يتمسك أكثر بسعد الحريري من باب حماية صلاحيات المجلس النيابي، الذي يعود له وحده حق تسمية الرئيس المكلف، مشددة على أن ردّ بري، وإن كان تضمن التأكيد على المضي بالمبادرة، إلا أنه بمثابة إعلان حرب على التعطيل الذي تمارسه رئاسة الجمهورية.

أصبح بري مقتنعاً أن العهد يريد «بيع» الحكومة لمن يدفع أكثر، وأنه رغم الأوضاع الكارثية التي يمر بها البلد، لا يزال مصراً على تعويم جبران باسيل كشرط اساسي للقبول بأي حل، وترى المصادر أن بري سمّى العقد بحقيقتها، وهي أولاً: رغبة رئيس الجمهورية بتسمية 10 وزراء ما يعطيه الثلث المعطل، والأهم أنه تحدث عن نية تكتل «لبنان القوي» عدم إعطاء الحكومة الثقة، ما يعني أن رئيس الجمهورية الذي لا يملك حقّ التصويت داخل الحكومة يريد أن يكون له وحده 10 وزراء، وهذا ما لا يمكن أن يحصل.

وتُشير المصادر إلى أن بيان بري يؤكد كل المعلومات التي تحدثت عن رفض جبران باسيل لمبادرة رئيس المجلس، ويبدو أن الجواب وصل الى بري الذي قرر التصعيد بوجه الرئاسة الاولى، ما يجعل الأمور تتجه الى مزيد من التعقيدات، وربما تكون النتيجة اعتذار الحريري وإدخال الأزمة السياسية في مرحلة اكثر صعوبة، أو تمسكه بالتكليف إلى ما لا نهاية.

كل هذه التطورات السياسية تأتي على وقع الجولات التي تقوم بها السفيرة الفرنسية في بيروت لمحاولة إحياء المبادرة الفرنسية عبر دعم مبادرة بري، وعلى وقع زيارة وفد كبير من المسؤولين الكبار في ​الاتحاد الأوروبي يوم السبت المقبل الى بيروت، ​ لإجراء التحضيرات اللازمة لإنجاح المؤتمر الأوروبي المقرر انعقاده الأسبوع المقبل لبحث الملف اللبناني، وتشير المصادر الى أن المستجدات السياسية خرّبت الأرضية اللازمة لنجاح مؤتمر كهذا، كاشفة أن الوفد، بحال استمرت التعقيدات على ما هي عليه، قد يفكر بتأجيل المؤتمر، أو استخدامه لتوجيه رسائل شديدة اللهجة للمسؤولين اللبنانيين.